مقالات

الذهب عند مفترق طرق: تشدد الفيدرالي وقوة الدولار يختبران 4,300.. فهل يستعد XAUUSD للارتداد أم لتصحيح أعمق؟

يبدو أن الذهب يدخل في واحدة من أكثر مراحله حساسية خلال الفترة الحالية، بعدما فقد القدرة على الاستقرار فوق مستوى 4,300 دولار للأونصة، في وقت تتزايد فيه الضغوط القادمة من السياسة النقدية الأمريكية وقوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة. وبرأيي، فإن ما يحدث في سوق الذهب لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تصحيح سعري عابر، بل هو إعادة تسعير واضحة للتوقعات المتعلقة بمسار الفائدة الأمريكية والعائد الحقيقي على الأصول المقومة بالدولار. ومع تداول الذهب قرب 4,300 دولار وتسجيله خسائر أسبوعية، أصبحت هذه المنطقة اختبارًا مهمًا لتحديد ما إذا كان التراجع الحالي سيبقى محدودًا أم سيتحول إلى تصحيح أعمق.

العامل الأكثر تأثيرًا في تقديري هو التحول الواضح في لهجة الاحتياطي الفيدرالي. فالسوق لم يعد يتعامل مع الفائدة باعتبارها في مسار هبوطي مستمر، بل بدأ يعيد تسعير احتمال بقاء السياسة النقدية متشددة لفترة أطول، وربما اللجوء إلى رفع إضافي إذا بقي التضخم مرتفعًا ولم يتراجع الضغط السعري بالسرعة المطلوبة. هذه المعادلة مهمة جدًا للذهب، لأن المعدن الأصفر لا يدر عائدًا، وبالتالي كلما ارتفعت تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ به، أصبح من الطبيعي أن تتراجع جاذبيته على المدى القصير مقارنة بالأصول التي تمنح المستثمر عائدًا.

ومن وجهة نظري، فإن قوة الدولار تمثل الحلقة الثانية في هذه المعادلة. ارتفاع العملة الأمريكية لا يضغط فقط على الذهب باعتباره أصلًا مقومًا بالدولار، بل يعكس أيضًا انتقال جزء من السيولة العالمية نحو الأصول الأمريكية، خصوصًا في بيئة ترتفع فيها العوائد وتتزايد فيها توقعات بقاء الفائدة مرتفعة. وقد أظهرت تحركات هذا الأسبوع أن الدولار استفاد بصورة واضحة من إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية، بينما تعرض الذهب لضغوط بيعية متتالية. لذلك أرى أن أي محاولة لتعافي الذهب في المدى القصير ستحتاج أولًا إلى ظهور علامات ضعف حقيقية في الدولار، وليس مجرد توقف مؤقت في صعوده.

العامل الثالث الذي أراه بالغ الأهمية هو سوق السندات الأمريكية. عائد السندات لأجل عشر سنوات تحرك قرب مستويات لم نشهدها منذ سنوات طويلة، وهو تطور لا يمكن تجاهله عند تحليل الذهب. ارتفاع العوائد يعني أن المستثمر أصبح يحصل على عائد أعلى من الأصول الحكومية الأمريكية، وبالتالي ترتفع تكلفة الاحتفاظ بالذهب مقارنة بالسندات. والأهم من مستوى العائد نفسه هو اتجاهه؛ فإذا استمرت العوائد في الارتفاع بالتزامن مع صعود الدولار، فستبقى البيئة الكلية غير مريحة للذهب، حتى لو شهد المعدن ارتدادات مؤقتة نتيجة عمليات تغطية مراكز البيع أو الطلب على الملاذات الآمنة.

في المقابل، لا أرى أن الصورة الأساسية للذهب أصبحت سلبية بشكل مطلق. هناك عنصر مهم يعمل في الاتجاه المعاكس، يتمثل في المخاطر الجيوسياسية وارتفاع حالة عدم اليقين العالمي، فضلًا عن المخاطر المرتبطة بأسعار الطاقة والتضخم. هذه العوامل قد تخلق طلبًا على الذهب باعتباره أحد أصول التحوط والملاذ الآمن، لكنها في المرحلة الحالية تواجه قوة الدولار وارتفاع العوائد. ولذلك أعتقد أن السوق يعيش صراعًا حقيقيًا بين عاملين: الذهب يستفيد من المخاطر وعدم اليقين، لكنه يتضرر في الوقت نفسه من ارتفاع العائد وقوة العملة الأمريكية.

وبناءً على هذه المعطيات، فإن رؤيتي الحالية تميل إلى أن الذهب يحتاج إلى استعادة مستوى 4,300 دولار والثبات فوقه حتى يبدأ في استعادة التوازن النفسي والفني. أما استمرار التداول أسفل هذا المستوى، فيعني أن الضغوط لا تزال قائمة وأن السوق قد يبحث عن مستويات دعم أدنى قبل أن تتشكل موجة صعود جديدة. وتشير بعض التحليلات الحالية إلى منطقة 4,150 دولار كدعم مهم، مع احتمال امتداد التصحيح إلى منطقة 4,000 دولار إذا حدث كسر واضح واستمر الضغط من الدولار والعوائد.

في المقابل، إذا نجح الذهب في امتصاص الضغوط الحالية والعودة فوق 4,300 دولار، ثم تمكن لاحقًا من تجاوز منطقة 4,400 دولار، فسأعتبر ذلك إشارة مهمة على أن المشترين بدأوا يستعيدون السيطرة وأن السوق أصبح أكثر قدرة على مواجهة تأثير ارتفاع الدولار والعوائد. لذلك، لا أرى أن السؤال الحقيقي في هذه المرحلة هو: هل الذهب صاعد أم هابط؟ بل أرى أن السؤال الأهم هو: هل تستطيع الأسعار بناء قاعدة قوية فوق مستويات الدعم الحالية رغم استمرار التشدد النقدي؟

وخلاصة وجهة نظري أن الذهب يمر حاليًا بمرحلة إعادة تقييم وليس بالضرورة بنهاية الاتجاه الصاعد طويل الأجل. المدى القصير يبقى حساسًا للبيانات الأمريكية، وتصريحات الاحتياطي الفيدرالي، وحركة الدولار وعوائد السندات، بينما ستظل التطورات الجيوسياسية عاملًا قادرًا على تغيير المعادلة بسرعة. لذلك أتوقع استمرار التقلبات وارتفاع حساسية الذهب تجاه الأخبار الاقتصادية خلال المرحلة المقبلة، مع بقاء 4,300 دولار مستوى محوريًا في تحديد المسار. فإذا فشل الذهب في استعادته، فإن مخاطر التصحيح الأعمق تبقى قائمة، أما العودة والثبات فوقه ثم تجاوز 4,400 دولار، فقد تعيد فتح الباب أمام استعادة الزخم الصاعد من جديد.

رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock