شركات الحج .. فوق كله يرشح نفسه، وتحت كله يصوّر !

تغلي منظومة الحج هذه الأيام على صفيح ساخن من الحراك الانتخابي؛ برامج تتسابق، ووعود تُصاغ، وشفافية تُرفع، وكل مرشح يقول: «الزين عندي!».
ما علينا .. أترك هذا كله لأتوجه إلى هناك، بعيداً عن أضواء مجالس الإدارات، إلى حيث يقف موظف ميداني تحت أشعة الشمس الحارقة، وسط الزحام، لخدمة ضيف الرحمن، بجهد عظيم لا يبتغي منه سوى الأجر وأداء شرف المسؤولية والأمانة.
وحين يُخرج ذلك الموظف جواله، تبدأ المعضلة الحقيقية: هل يدرك ماذا يوثّق أو ماذا يقول؟ وهل يعلم أن الحاج الواقف أمامه ليس مجرد «خلفية أو محتوى»؟، وهل يدرك أن صورة عفوية واحدة قد تنتقل من هاتفه إلى منصات العالم، لتصنع رسالة إعلامية تناقض تماماً الجوهر السامي للجهة التي يمثلها؟.
لقد أصبحنا نتعامل مع الهواتف الذكية في الميدان وكأنها «حقيبة إسعافات أولية»؛ كلما وقع موقف أو حدث أمر، كان و لا بد من توثيقه، فنخرج الهاتف ونصوّر! وكأن الحواس الميدانية تعطلت، ناسِيَةً أن بعض اللحظات تحتاج إلى يد تمتد للمساعدة، لا إلى يد ترتعش لإمساك شاشة جوال للتصوير!.
نحن نستثمر الكثير في تدريب العامل الميداني على استقبال الحاج وخدمته، وإدارة المواقف، وحل المشكلات التشغيلية في أجزاء من الثانية، بل إن من متطلبات التوظيف في منظومة الحج، خصوصاً في مراكز الضيافة، ضرورة اجتياز دورات محددة في تخصصات معينة؛ لكننا، في المقابل، قد نغفل عن جانب لا يقل أهمية: الثقافة الإعلامية للعامل الميداني لاسيما المستويات العالية والوسطى من الهرم الوظيفي.
هل درّبناهم على فقه الظهور ومحاذير التصوير؟ وهل علّمناهم كيف يحمون خصوصية الحجاج الذين أنهكتهم رحلة العبادة وأتعبهم أداء الفريضة؟ وهل فرّقنا لهم بين الشغف بتوثيق المنجز، وبين البحث عن «لحظة شخصية» تخطف الأضواء؟.
أنا لا أنادي بإلغاء الكاميرات، على العكس، نحن بحاجة إلى موظفين واعين إعلامياً، لا يطاردون الكاميرا وفي الوقت ذاته لا يهربون منها.. فالظهور ليس خطأ، والتصوير ليس جريمة، والنشر ليس مشكلة في ذاته، لكن الخطأ أن يصبح حب الظهور ومضةً تعمي العين عن أصل الخدمة.
ومن واقع معايشتي للإعلام والعمل داخل منظومة الحج، أطرح فكرة عملية بين يدي وزارة الحج والعمرة، وكل جهة ميدانية معنية: لماذا لا نبتكر حقيبة إعلامية وتثقيفية للعاملين الميدانيين لتكون إلزامية للتوظيف في مراكز الضيافة؟.
حقيبة بسيطة، رشيقة في محتواها، مباشرة في رسائلها؛ لا تصنع إعلاميين محترفين، وإنما تصنع فرقاً ميدانية واعية إعلامياً، تغرس في وجدان العامل قاعدة ذهبية تسبق فتح الكاميرا، وهي: «ميدان الحج ليس مكاناً لصناعة مجد شخصي .. فخدمة الحاج أولاً».
ختاماً، أطرح سؤالاً بريئاً على زملائي العاملين في منظومة الحج : من واقع مشاهداتكم المستمرة في الميدان، هل ترون أن شغف التوثيق الإعلامي، أصبح ينافس شرف الخدمة المؤسسية لضيوف الرحمن أم لا؟.
بقلم @aaazahrani :
عبدالله بن علي الزهراني



