عمران العمران.. رائد الصحافة الذي وضع بصمته الأولى في تاريخ «الرياض»

الاقتصاد.الرياض
غيّب الموت، اليوم السبت، الأديب والكاتب عمران بن محمد بن حمد العمران، عضو مجلس الشورى سابقًا، وأول رئيس تحرير لجريدة «الرياض»، بعد مسيرة حافلة بالعطاء في الصحافة والأدب والثقافة، ترك خلالها أثرًا يتجاوز المناصب التي شغلها إلى ما أسهم به في البدايات التأسيسية للصحافة السعودية الحديثة.
لم يكن العمران مجرد اسم ارتبط بمرحلة مبكرة من تاريخ جريدة «الرياض»، بل كان أحد الوجوه التي شاركت في صياغة تجربتها الأولى، حين تولى رئاسة تحريرها عام 1385هـ، في مرحلة كانت فيها الصحافة السعودية تتشكل وتتوسع، وتبحث عن أدواتها المهنية ومساحاتها الجديدة للتعبير عن التحولات الاجتماعية والثقافية في المملكة.
من الرياض بدأت الحكاية
وُلد عمران العمران في الرياض عام 1352هـ، ونشأ في مرحلة شهدت فيها المملكة تحولات متسارعة في التعليم والثقافة والإدارة، وهي تحولات أسهمت في تشكيل جيل من الكتّاب والمثقفين الذين حملوا مسؤولية نقل المعرفة وتطوير الخطاب الصحفي والأدبي.
وكان تخرجه ضمن أول دفعة من كلية اللغة العربية عام 1377هـ محطة مهمة في مسيرته، إذ أتاح له تكوينه اللغوي والأدبي الاقتراب من عوالم الكتابة والتحرير، والاستناد إلى معرفة باللغة وعلومها في ممارسة العمل الصحفي والأدبي.
وقد جمع العمران بين التكوين الأكاديمي والاهتمام بالكتابة، ليشق طريقه في مجال كانت فيه الصحافة تعتمد بدرجة كبيرة على الكفاءات اللغوية والثقافية، وعلى قدرة المحرر على تقديم المادة المكتوبة بأسلوب يجمع بين وضوح الفكرة وسلامة التعبير.
أول رئيس تحرير لجريدة «الرياض»
شكّلت رئاسة العمران لتحرير جريدة «الرياض» عام 1385هـ أبرز محطات مسيرته الإعلامية، إذ ارتبط اسمه بالبدايات الأولى للصحيفة، وتولى مسؤولية تحريرها في مرحلة تأسيسية من تاريخها.
وتكتسب هذه المحطة أهميتها من موقع الصحافة في تلك المرحلة؛ فقد كانت الصحف إحدى المنصات الرئيسة لتوثيق التحولات التي تعيشها المملكة، ومتابعة الشؤون العامة، وإبراز القضايا الثقافية والاجتماعية، إلى جانب دورها في توسيع دائرة المعرفة والتواصل مع القراء.
وكان تولي العمران رئاسة التحرير مسؤولية تتطلب الجمع بين الحس اللغوي والوعي الثقافي والقدرة على إدارة المحتوى الصحفي، في وقت كانت فيه التجربة الإعلامية المحلية تتقدم تدريجيًا نحو مزيد من التنظيم والتخصص.
ومن خلال موقعه بوصفه أول رئيس تحرير للجريدة، ارتبط اسمه بمرحلة البداية في تاريخ إحدى الصحف السعودية البارزة، وهي محطة تمنحه مكانة خاصة في الذاكرة الصحفية، باعتباره جزءًا من الجيل الذي أسهم في بناء المؤسسات الإعلامية وتطوير تجربتها.
الأدب والشعر.. وجه آخر للتجربة
لم تتوقف تجربة العمران عند حدود العمل الصحفي، بل امتدت إلى التأليف والكتابة الأدبية والشعر، حيث ترك مجموعة من المؤلفات التي تعكس تنوع اهتماماته بين المقالة والتعبير الشعري والتوثيق الثقافي.
وأصدر الراحل خمسة مؤلفات وديوانًا شعريًا، تولت دار الثلوثية نشرها، ومن أبرز أعماله «شؤون وآراء»، و«الأمل الظامئ»، و«حديث عابر»، الذي يضم مقالاته، و«من وحي السنين»، وهو ديوان شعري، إلى جانب كتابه «من أعلام الشعر اليمامي».
ويكتسب الكتاب الأخير دلالة خاصة في مسيرته؛ إذ ألّفه في الرابعة والعشرين من عمره، بالتزامن مع تخرجه في كلية اللغة العربية، في تجربة مبكرة تكشف عن اهتمامه بتاريخ الشعر وأعلامه، وعن ميله إلى الجمع بين المعرفة الأدبية والتوثيق.
وتكشف هذه الأعمال عن تعدد مسارات اهتمامه، فلم تكن الكتابة لديه محصورة في وظيفة الصحفي، بل كانت مساحة للتعبير عن الرأي، واستحضار التجربة، والاشتغال باللغة والشعر، بما يعكس تداخل الصحافة والأدب في تكوين المثقف السعودي خلال تلك المرحلة.
من الصحافة إلى العمل العام
وإلى جانب تجربته الصحفية والأدبية، شغل العمران عضوية مجلس الشورى سابقًا، وهي محطة أضافت إلى سيرته بعدًا آخر في العمل العام، بعد سنوات ارتبط اسمه خلالها بالصحافة والكتابة والثقافة.
ويعكس تنوع محطات مسيرته انتقالًا بين مجالات تتقاطع في جوهرها عند خدمة المجتمع والمشاركة في الحياة العامة، سواء عبر الكلمة الصحفية، أو التأليف الأدبي، أو العمل المؤسسي.
إرث يتجاوز المناصب
برحيل عمران العمران، تفقد الساحة الثقافية والإعلامية أحد الأسماء المرتبطة بالبدايات الأولى لجريدة «الرياض»، وأحد أبناء الجيل الذي جمع بين الدراسة اللغوية والعمل الصحفي والاهتمام بالأدب والتوثيق.
وتبقى سيرته شاهدًا على مرحلة كان فيها بناء الصحافة السعودية مرتبطًا بجهود كتّاب ومحررين حملوا خبراتهم اللغوية والثقافية إلى المؤسسات الإعلامية الناشئة، وأسهموا في إرساء تجاربها الأولى.
وبين رئاسة تحرير صحيفة، وكتابة المقالة، ونظم الشعر، وتوثيق أعلام الأدب، تتشكل صورة العمران بوصفه أديبًا وصحفيًا جمع بين أكثر من مسار معرفي، وترك اسمه حاضرًا في سجل البدايات الصحفية السعودية، وفي أعمال أدبية تحفظ جانبًا من تجربته ورؤيته.
رحل عمران العمران، لكن اسمه سيظل مرتبطًا بصفحة مبكرة من تاريخ «الرياض»، وبمسيرة اختار فيها الكلمة مجالًا للعمل والتعبير والتوثيق، لتبقى سيرته جزءًا من ذاكرة الصحافة والأدب في المملكة



