محمد بن سلمان يفتح فصلًا جديدًا في اقتصاد المعادن السعودية.. والرهان يتجاوز باطن الأرض

الدكتورة ايات الشاذلي
في 15 سبتمبر، لم يكن قرار مجلس الوزراء السعودي مجرد بند إداري عابر، بل إشارة سياسية واقتصادية محسوبة إلى أن المملكة تتعامل مع المعادن بوصفها لغة جديدة من لغات النفوذ والتنمية. فقد وافق المجلس،برئاسة ولي العهد ورئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، علىمذكرة تفاهم بين وزارة الصناعة والثروة المعدنية السعودية ووزارة الصناعة والبناء في كازاخستان في مجال الثروة المعدنية.
والدقة هنا ليست تفصيلًا تقنيًا. القرار يعني اعتماد إطار رسمي للتعاون بين البلدين، ولا يعني أن السعودية استحوذت على منجم كازاخستاني، ولا أنهاأبرمت استثمارًا بقيمة محددة. لكنه يفتح الباب أمام ما هو أعمق من صفقة منفردة: تبادل الخبرات، وتطوير الاستكشاف، وبحث فرص الشراكة في المعادن الحرجة، وربط الموارد بالمعالجة والتصنيع وسلاسل الإمداد. وهذه،في اقتصاد المعادن الحديث، هي القيمة الحقيقية.
ما يجعل قرار 15 سبتمبر لافتًا أنه جاء بعد يوم واحد فقط من إعلان سعودي ثقيل الوزن. ففي 14 سبتمبر، كشفت المملكة عن موارد تقديرية بنحو 110 إلى 114 مليون طن من الخام في مشروع جبل صايد بمنطقة المدينة المنورة،يحتوي على تركيزات مرتفعة من العناصر الأرضية النادرة، ولا سيماالعناصر الثقيلة، إلى جانب تركيزات واعدة من اليورانيوم. وبعبارة أكثر دقة،لم تعلن السعودية عن «كنز جاهز للبيع»، بل عن قاعدة جيولوجية يمكن أنتتحول، بالاستثمار والتقنية والتنظيم، إلى صناعة متكاملة.
هنا تظهر ضربة المعلم: المملكة لا تنظر إلى اليورانيوم باعتباره مادة تستخرج من الأرض ثم تغادرها في صورة خام. المسار المعلن يمتد من الاستكشاف والتعدين إلى المعالجة والفصل والتكرير وإنتاج الكعكة الصفراء. كما تعمل على استرداد اليورانيوم المصاحب لحمض الفوسفوريك الناتج من صناعة الأسمدة، وهي صناعة تمنح السعودية موقعًا قويًا؛ إذتصفها التغطيات المتخصصة بأنها ثاني أكبر مصدر عالمي لأسمدة الفوسفات. وهناك أيضًا مبادرات مسح الغطاء الرسوبي للبحث عن خاماتيورانيوم إضافية من المصادر التقليدية.
هذا التفكير يغيّر المعادلة الاقتصادية. فالقيمة لا تتحدد بكمية الخام وحدها،بل بنسبة ما تستطيع المملكة إبقاءه داخل اقتصادها من أعمال هندسية،وخدمات جيولوجية، وتقنيات فصل، ومراكز أبحاث، ومصانع تحويل، ووظائف عالية المهارة. كل طن لا يُصدّر في صورته الأولية يمكن أن يصبح سلسلة من القيمة المضافة، وكل شراكة تقنية ناجحة يمكن أن تقلل اعتماد المملكة علىالخارج في مرحلة حساسة من دورة المعادن.
ومن هذه الزاوية، تبدو كازاخستان شريكًا منطقيًا لا مجرد اسم على مذكرة. فهي دولة ذات قاعدة معدنية واسعة وخبرة طويلة في التعدين، بينما تمتلك السعودية طاقة تنافسية، وبنية تحتية متقدمة، وموقعًا يربط آسيا بأوروبا وأفريقيا، وقدرة متنامية على تمويل المشروعات الصناعية الكبرى. الجمع بينهذه المزايا قد يصنع ممرًا اقتصاديًا للمعادن يبدأ من الاستكشاف ولاينتهي عند المنجم، بل يصل إلى المعالجة والتصنيع والتجارة العالمية. أماتحويل هذا الإطار إلى مشروعات فعلية، فسيحتاج بطبيعة الحال إلىدراسات جدوى واتفاقات تنفيذية وتخصيصات استثمارية تعلن في حينها.
وقد التقطت المنصات العالمية مغزى التحرك السعودي. فقد أبرزت «حض رويترز»في 14 سبتمبر حجم الخام المحتوي على تركيزات من اليورانيوم في المدينةالمنورة. ووسعت «ذا ناشونال» زاوية التغطية لتربط الاكتشاف بمسار الطاقةالنووية والشراكات الصناعية. كما عرضت «الشرق الأوسط» الناطقة بالإنجليزية المسارات الثلاثة لاستكشاف الموارد وبناء سلسلة قيمة محلية. أما قرار مجلس الوزراء في 15 سبتمبر، فقد أكدته وكالة الأنباء السعودية ونقلته منصات اقتصادية عربية، فيما تكمن دلالته العالمية في أنه يحولالطموح المعدني من خطاب استراتيجي إلى شبكة تعاون مؤسسية قابلةللبناء.
الأهم أن السعودية لا تتصرف بمنطق البحث عن بديل للنفط، بل بمنطق توسيع تعريف القوة الاقتصادية. النفط منح المملكة وزنًا في أسواق الطاقة،أما المعادن الحرجة واليورانيوم والعناصر الأرضية النادرة فقد تمنحها وزنًاجديدًا في التكنولوجيا والصناعة وأمن الإمدادات. وبين إعلان جيولوجي في14 سبتمبر وقرار تعاون دولي في 15 سبتمبر، ترسم الرياض ملامحاقتصاد يعرف أن الثروة لا تكمن فقط فيما تحت الأرض، بل فيما تستطيعالعقول والمؤسسات تحويله إلى معرفة وصناعة وتأثير.
ذلك هو الفصل الجديد الذي يفتحه الأمير محمد بن سلمان: السعودية لا تكتفيبأن تكون أرضًا غنية بالموارد، بل تسعى إلى أن تصبح منصة عالمية تلتقيفيها الجيولوجيا برأس المال، والتقنية بالسياسة، والطموح الصناعيبحسابات الاقتصاد الدولي. وهذه ليست مبالغة في وصف اللحظة؛ إنهاقراءة هادئة لبلد بدأ يتعامل مع باطن الأرض باعتباره نقطة انطلاق، لا نقطةنهاية.


