مختصون لـ “الاقتصاد” : عقد من «رؤية 2030» يعيد هندسة العمل غير الربحي… تمكين تشريعي ونمو اقتصادي يعزز الأثر المجتمعي

جدة/ ياسر خليل
في الذكرى العاشرة لإطلاق رؤية السعودية 2030، يبرز القطاع غير الربحي بوصفه أحد أبرز الروافد التي شهدت تحولات نوعية عميقة، انتقلت به من أدوار تقليدية محدودة إلى شريك فاعل في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. فعلى مدار عقد كامل، أعادت الرؤية صياغة مفهوم العمل الخيري والتنموي، عبر بناء منظومة مؤسسية متكاملة، وتطوير الأطر التنظيمية، وتعزيز الاستدامة المالية، بما أسهم في رفع كفاءة القطاع وتوسيع نطاق تأثيره.
وفي هذا السياق، أجمع مختصون في القطاع الثالث على أن ما تحقق خلال السنوات العشر الماضية يمثل نقلة تاريخية، لم تقتصر على زيادة عدد الكيانات غير الربحية، بل شملت أيضاً رفع جودة الأداء، وتعزيز الحوكمة، وتوجيه الجهود نحو تحقيق أثر تنموي مستدام.
وأوضح المختص في القطاع الغير ربحي د. عماد الفارسي أن «رؤية 2030» أسست لمرحلة جديدة في مسار القطاع غير الربحي، من خلال إرساء بيئة تنظيمية مرنة ومحفزة، أسهمت في تمكين الجمعيات والمؤسسات من العمل وفق نماذج حديثة تعتمد على الكفاءة والشفافية. وأشار إلى أن التحول الأبرز تمثل في الانتقال من العمل الخيري التقليدي إلى العمل التنموي المؤسسي، الذي يقيس الأثر ويركز على الاستدامة، ما عزز من دور القطاع كشريك حقيقي في تحقيق التنمية.
وبيّن الفارسي أن أحد أهم مكتسبات الرؤية يتمثل في رفع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي، إلى جانب زيادة عدد المتطوعين بشكل ملحوظ، وهو ما يعكس تنامي الوعي المجتمعي بأهمية المشاركة في العمل التطوعي، وتوسّع قاعدة المستفيدين من خدمات القطاع.
من جانبه، أشار عضو أحد الجمعيات الخيرية د. جهز الحربي إلى أن التحولات التي شهدها القطاع جاءت نتيجة حزمة من الإصلاحات المتكاملة، شملت تطوير التشريعات، وإطلاق برامج دعم وتمويل، وبناء منصات رقمية تسهم في تنظيم العمل وتسهيل الوصول إلى الخدمات. وأكد أن هذه الجهود أسهمت في تعزيز ثقة المجتمع والقطاع الخاص في الكيانات غير الربحية، ما أدى إلى زيادة حجم التبرعات والاستثمارات الاجتماعية.
وأضاف أن الرؤية دفعت القطاع إلى تبني مفاهيم حديثة مثل الاستثمار الاجتماعي، والشراكات الاستراتيجية، وقياس العائد الاجتماعي على الاستثمار، وهو ما ساعد في رفع كفاءة الإنفاق وتعظيم الأثر، مشيراً إلى أن العديد من المنظمات باتت اليوم تعمل وفق نماذج أعمال مستدامة تضمن استمرارية خدماتها.
وبين المدير التنفيذي لأحد الجمعيات السعودية عوض السلمي أن القطاع غير الربحي أصبح لاعباً رئيسياً في دعم الاقتصاد الوطني، من خلال مساهمته في خلق فرص عمل، وتنفيذ مشاريع تنموية في مجالات متعددة مثل التعليم والصحة والإسكان والخدمات الاجتماعية. وأوضح أن الرؤية نجحت في ربط القطاع باحتياجات التنمية، وتحفيزه على تقديم حلول مبتكرة للتحديات المجتمعية.
وأشار السلمي إلى أن التكامل بين القطاع غير الربحي والقطاعين الحكومي والخاص شكّل أحد أبرز عوامل النجاح، حيث أسهمت الشراكات الثلاثية في تنفيذ مبادرات نوعية ذات أثر واسع، مؤكداً أن المرحلة المقبلة ستشهد مزيداً من التوسع في هذه الشراكات، بما يعزز من كفاءة العمل ويحقق مستهدفات التنمية.
وقال عضو بأحد الجمعيات الخيرية بالمملكة سلمان الزهراني إن «رؤية 2030» أحدثت تحولاً ثقافياً في نظرة المجتمع إلى العمل غير الربحي، حيث لم يعد يُنظر إليه كعمل تطوعي محدود، بل كقطاع حيوي يملك أدوات اقتصادية وتنموية مؤثرة. وأضاف أن تنمية الكوادر البشرية داخل القطاع، وتطوير المهارات القيادية والإدارية، كان لهما دور كبير في رفع مستوى الاحترافية، وتحسين جودة المخرجات.
وأكد الزهراني أن المستقبل يحمل فرصاً واسعة أمام القطاع غير الربحي، خاصة في ظل التوجه نحو الابتكار الاجتماعي، واستخدام التقنيات الحديثة في إدارة المبادرات، وتحليل البيانات لقياس الأثر، ما يعزز من قدرة القطاع على التوسع وتحقيق نتائج مستدامة.
وعلى امتداد عقد من الزمن، تؤكد تجربة «رؤية 2030» أن الاستثمار في القطاع غير الربحي لم يكن خياراً تكميلياً، بل ركيزة أساسية في بناء مجتمع حيوي واقتصاد مزدهر. ومع استمرار برامج التمكين والتطوير، يتجه القطاع الثالث نحو مرحلة أكثر نضجاً، قائمة على الكفاءة والاستدامة، وقادرة على الإسهام بفاعلية في تحقيق مستهدفات التنمية الشاملة للمملكة.




