أخبار الاقتصادالأخبار

صندوق النقد الدولي: التصحيح المالي في السعودية قد يؤثر سلبا على احتمالات النمو

تم النشر في الأثنين 2018-01-22

كشف صندوق النقد الدولي أن التوقعات تشير إلى تحسن النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان في 2018 و 2019 لكنه يظل ضعيفا عند قرابة 3.5%، حيث يساعد ارتفاع أسعار النفط على تعافي الطلب المحلي في البلدان المصدرة للنفط، بما فيها السعودية، إلا أن التصحيح المالي الذي لا يزال لازما من المتوقع أن يؤثر سلبا على احتمالات النمو.
وأضاف صندوق النقد الدولي في تقرير نشر اليوم أن النشاط الاقتصادي العالمي لايزال يزداد قوة، مبينا أن التقديرات تشير إلى نمو الناتج العالمي بمعدل 3.7% في 2017، أ أعلى بمقدار 0.1 نقطة مئوية مما كان متوقعا في الخريف وأعلى بمقدار نصف نقطة مئوية مقارنة بعام 2016. وقد شمل تحسن النمو نطاقا واسعا، مع ارتفاعات واضحة تجاوزت التوقعات في أوروبا وآسيا. ومن ثم رُفِعت تنبؤات النمو العالمي لعامي 2018 و 2019 بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 3.9%. ويعكس هذا التعديل زيادة زخم النمو العالمي والتأثير المتوقع لتغييرات السياسة الضريبية التي أقرتها الولايات المتحدة مؤخرا.
ومن المتوقع أن تؤدي تغييرات السياسة الضريبية في الولايات المتحدة إلى تحفيز النشاط الاقتصادي، حيث يأتي معظم التأثير قصير الأجل في الولايات المتحدة مدفوعا باستجابة الاستثمار للتخفيضات الضريبية على دخل الشركات. ومن المقدر أن يكون الأثر على النمو إيجابيا في الولايات المتحدة حتى نهاية 2020، إذ يسجل معدلا تراكميا يصل إلى 1.2% حتى نهاية ذلك العام، مع وجود نطاق من عدم اليقين حول هذا السيناريو المركزي. ونظرا للطبيعة المؤقتة التي تتسم بها بعض بنود حزمة السياسات الضريبية المقررة، فمن المتوقع أن تؤدي إلى خفض النمو لبضع سنوات بدءا من 2022. وتساهم آثار هذه السياسات على الناتج في الولايات المتحدة وشركائها التجاريين بنحو نصف التعديل التراكمي لتنبؤات النمو العالمي على مدار الفترة 2018-2019.
وتبدو المخاطر المحيطة بتنبؤات النمو العالمي متوازنة إلى حد كبير على المدى القصير، لكن كفة التطورات السلبية لا تزال هي الأرجح على المدى المتوسط. فمن الناحية الإيجابية، قد يحدث تعافٍ دوري أقوى من المتوقع على المدى القريب مع الدعم المتبادل بين انتعاش النشاط وتحقيق أوضاع مالية أكثر يسرا.
ومن الناحية السلبية، تشير تقييمات الأصول السخية وفروق علاوات العائد شديدة الضيق على الاستثمارات طويلة الأجل إلى إمكانية حدوث تصحيح في الأسواق المالية، مما يمكن أن يضعف النمو ويؤثر على الثقة. وقد يكون أحد العوامل المسببة هو ارتفاع التضخم الأساسي وأسعار الفائدة في الاقتصادات المتقدمة بمعدلات أسرع من المتوقع مع تسارُع معدل الطلب.
وإذا استمرت قوة المزاج العالمي السائد وظل التضخم مكبوحا، يمكن أن تستمر الأوضاع المالية التوسعية على المدى المتوسط، مما يتسبب في تراكم مواطن الضعف المالية في الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة على السواء. ووهناك مخاطر أخرى قد تتسبب في تطورات سلبية، وهي السياسات الانغلاقية، والتوترات الجغرافية-السياسية، وعدم اليقين السياسي في بعض البلدان.
ويتيح الانتعاش الدوري الحالي فرصة مثالية للإصلاحات. وتشمل الأولويات المشتركة بين كل الاقتصادات تنفيذ الإصلاحات الهيكلية لدعم الناتج الممكن وتوسيع نطاق النمو ليصل إلى مختلف شرائح السكان. وفي مناخ يسوده التفاؤل في الأسواق المالية، يصبح ضمان الصلابة المالية ضرورة حتمية.
ويشير ضعف التضخم إلى استمرار تراخي النشاط في كثير من الاقتصادات المتقدمة مما يتطلب استمرار السياسة النقدية التيسيرية. غير أن تحسن زخم النمو يعني أن تصميم سياسة المالية العامة ينبغي أن يركز بصورة متزايدة على مراعاة الأهداف متوسطة الأجل – وهي ضمان احتفاظ المالية العامة بأوضاع قابلة للاستمرار وتعزيز الناتج الممكن. ويظل التعاون متعدد الأطراف عاملا حيويا لضمان التعافي العالمي.
التعافي العالمي ازداد قوة
استمر تحسن الانتعاش الدوري الجاري منذ منتصف 2016. فقد ارتفع النمو في 2017 محسوبا على أساس سنوي مقارن في قرابة 120 اقتصادا تساهم بثلاثة أرباع إجمالي الناتج المحلي، ليشهد العالم طفرة من النمو العالمي المتزامن هي الأوسع منذ عام 2010. وعلى مستوى الاقتصادات المتقدمة، جاء النمو في الربع الثالث من 2017 أعلى مما كان متوقعا في الخريف، ولا سيما في ألمانيا واليابان وكوريا والولايات المتحدة.
كذلك شهدت الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية الرئيسية، بما فيها البرازيل والصين وجنوب إفريقيا، نموا أقوى في الربع الثالث من العام مقارنة بتنبؤات الخريف. وتدل البيانات الكمية عالية التواتر ومؤشرات المزاج السائد في الأسواق على استمرار الزخم القوي في الربع الرابع من العام.
فقد حققت التجارة العالمية نموا قويا في الأشهر الأخيرة، يدعمها ارتفاع الاستثمارات، وخاصة بين الاقتصادات المتقدمة، وزيادة إنتاج الصناعة التحويلية في آسيا في الفترة السابقة على إطلاق الطرز الجديدة من الهواتف الذكية. وتدل مؤشرات مديري المشتروات على صلابة نشاط الصناعة التحويلية في الفترة القادمة، اتساقا مع قوة ثقة المستهلك التي تشير بدورها إلى قوة الطلب النهائي.
السلع الأولية والتضخم:
أدى تحسن آفاق النمو العالمي، والظواهر الجوية التي شهدتها الولايات المتحدة، وتمديد العمل باتفاقية “أوبك+” لتخفيض إنتاج النفط، والتوترات الجغرافية-السياسية في منطقة الشرق الأوسط، إلى دعم أسعار النفط الخام التي ارتفعت بنحو 20% بين شهر أغسطس 2017 (الفترة المرجعية لعدد أكتوبر 2017 من تقرير آفاق الاقتصاد العالمي) ومنتصف ديسمبر 2017 (الفترة المرجعية لعدد يناير 2018 من تقرير “مستجدات آفاق الاقتصاد العالمي) لتتجاوز 60 دولارا للبرميل، مع بعض الارتفاع اللاحق في أوائل يناير 2018.
وتتوقع الأسواق انخفاض هذه الأسعار بالتدريج على مدار السنوات الأربع أو الخمس القادمة – اعتبارا من منتصف ديسمبر الماضي كانت أسعار العقود الآجلة متوسطة الأجل حوالي 54 دولارا للبرميل، بارتفاع طفيف عن شهر أغسطس. وقد أدت زيادة أسعار الوقود إلى ارتفاع التضخم الكلي في الاقتصادات المتقدمة، لكن كلا من تضخم الأجور والتضخم الأساسي في الأسعار لا يزال ضعيفا. وفي اقتصادات الأسواق الصاعدة، ارتفع التضخم الكلي والأساسي ارتفاعا طفيفا في الأشهر القليلة الماضية بعد تراجعه في مطلع 2017.
أسواق السندات والأسهم: ارتفعت توقعات السوق لمسار أسعار الفائدة الأساسية لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ أغسطس الماضي، انعكاسا للارتفاع الكبير الذي سجلته أسعار الفائدة في ديسمبر على النحو المتوقع، لكنها لا تزال تحتسب ارتفاعا تدريجيا على مدار العامين 2018 و2019. ورفع بنك إنجلترا سعر الفائدة الأساسي للمرة الأولى منذ 2008 نظرا لتقلص حجم التراخي في الاقتصاد وتجاوُز التضخم للمستوى المستهدف مدفوعا بانخفاض سعر الجنيه الاسترليني في الفترة الماضية، كما أعلن البنك المركزي الأوروبي أنه سيبدأ الإلغاء التدريجي لعمليات شراء الأصول الصافية اعتبارا من يناير. غير أن البنك المركزي الأوروبي ينوي الحفاظ على أسعار الفائدة الأساسية عند مستوياتها الحالية التي تعد الأدنى تاريخيا إلى ما بعد نهاية التيسير الكمي، كما ينوي زيادة برنامج شراء الأصول من حيث الكم والمدة إذا انخفض التضخم عن المستوى المستهدف.
وكان رد فعل أسواق السندات ضعيفا إزاء هذه التحولات، حيث مالت منحنيات العائد إلى التسطح مع ارتفاع أسعار الفائدة قصيرة الأجل عن أسعار الفائدة طويلة الأجل (كما حدث في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وكندا على سبيل المثال) تمشيا مع استمرار ضعف توقعات السوق بشأن استمرار مفاجآت التضخم المرتفع. واستمر انتعاش أسعار الأسهم في الاقتصادات المتقدمة، يدعمه المزاج المتفائل عموما إزاء احتمالات الربح، وتوقعات عودة المسار الطبيعي للسياسة النقدية على نحو شديد التدرج في ظل انخفاض التضخم، وتوقعات التقلب المحدود في أساسيات الاقتصاد.
وواصلت مؤشرات أسعار أسهم الأسواق الصاعدة ارتفاعها منذ أغسطس، يدفعها تحسن آفاق المدى القصير في البلدان المصدرة للسلع الأولية. وفي بعض الحالات، ارتفعت العائدات طويلة الأجل خلال الأشهر الأخيرة، لكنها لا تزال منخفضة بوجه عام مصحوبة باستمرار الفروق الضيقة بين أسعار الفائدة.
أسعار الصرف والتدفقات الرأسمالية: منذ بداية يناير 2018، يظل سعر صرف الدولار الأمريكي واليورو قريبا من سعرهما في أغسطس 2017.
وتراجع سعر صرف الين الياباني بنسبة 5% على خلفية اتساع فروق أسعار الفائدة، بينما ارتفع سعر الجنيه الاسترليني بنحو 4% مع قيام بنك إنجلترا برفع أسعار الفائدة في نوفمبر وفي ظل زيادة توقعات التوصل إلى اتفاق بشأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وبالنسبة لعملات الأسواق الصاعدة، ارتفع سعر اليوان الصيني بنحو 2%، وارتفع سعر الرينغيت الماليزي بنحو 7% على خلفية تحسن آفاق النمو وارتفاع أسعار السلع الأولية، كما ارتفع الراند الجنوب إفريقي بنحو 6% بناء على التصورات السائدة بانخفاض عدم اليقين السياسي. وفي المقابل، انخفض سعر البيزو المكسيكي بنسبة 7% نظرا لتجدد عدم اليقين المرتبط بالمفاوضات الجارية حول اتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة (“نافتا”)، كما انخفض سعر الليرة التركية بنسبة 4.5% نظرا لارتفاع قراءات التضخم.
وظلت التدفقات الرأسمالية إلى الاقتصادات الصاعدة قوية حتى نهاية الربع الثالث من 2017، مع استمرار قوة تدفقات استثمارات الحافظة الداخلة من غير مقيمين.
التنبؤ باستمرار ارتفاع النمو العالمي المتوقع لعامي 2018 و2019
تشير التقديرات الحالية إلى بلوغ النمو العالمي 3.7% في 2017، أي أعلى بمقدار 0.1 نقطة مئوية عما كان متوقعا في الخريف. وكانت مفاجآت ارتفاع النمو بارزة في أوروبا وآسيا بشكل خاص ولكنها شملت نطاقا واسعا من البلدان، حيث جاءت نتائج مجموعة الاقتصادات المتقدمة ومجموعة الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية أعلى بمقدار 0.1 نقطة مئوية مقارنة بالتنبؤات الصادرة في الخريف.
ومن المتوقع أن يمتد الزخم الأقوى الذي شهده عام 2017 ليشمل عامي 2018 و 2019، مع رفع توقعات النمو العالمي إلى 3.9% للعامين (أي أعلى بمقدار 0.2 نقطة مئوية مقارنة بتنبؤات الخريف).
وعلى مدار أفق التنبؤ الذي يغطي عامين، ترجع زيادة التنبؤات بشأن آفاق الاقتصاد العالمي في الأساس إلى الاقتصادات المتقدمة، حيث يُتوقع حاليا أن يتجاوز النمو معدل 2% في 2018 و2019. وتأتي هذه التنبؤات انعكاسا للتوقعات التي تفيد بأن الأوضاع المالية العالمية المواتية والمزاج المتفائل سيساعدان على استمرار معدل الطلب الذي تسارع مؤخرا، وخاصة في مجال الاستثمار، مع ما يُحْدِثه ذلك من تأثير ملحوظ على النمو في كبرى الاقتصادات المصدرة.
وإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يؤدي الإصلاح الضريبي في الولايات المتحدة والدفعة التنشيطية المالية المصاحبة له إلى زيادة النمو مؤقتا في الولايات المتحدة، مما يولد تداعيات إيجابية على الطلب من الشركاء التجاريين للولايات المتحدة – وخاصة كندا والمكسيك – خلال هذه الفترة.
ويُعزى حوالي نصف الزيادة التراكمية في تنبؤات النمو العالمي لعامي 2018 و2019 إلى الآثار الاقتصادية الكلية المتوقعة على مستوى العالم، مع وجود نطاق من عدم اليقين حول هذا التوقع الأساسي.
فقد رُفِعت تنبؤات النمو للولايات المتحدة نظرا لزيادة قوة النشاط في 2017 عن المستويات المتوقعة، وارتفاع الطلب الخارجي المتوقع، والتأثير المتوقع للإصلاح الضريبي على الاقتصاد الكلي، ولا سيما خفض معدلات ضرائب الشركات والسماح المؤقت بتحميل تكلفة الاستثمار كاملة على المصروفات. وتفترض التنبؤات أن تراجع الإيرادات الضريبية لن تقابله تخفيضات في الإنفاق على المدى القريب. ومن ثم، يُتوقع أن يؤدي الإصلاح الضريبي إلى تحفيز النشاط الاقتصادي على المدى القصير في الولايات المتحدة. وعلى أثر ذلك، يُتوقع زيادة الواردات واتساع عجز الحساب الجاري مع زيادة قوة الطلب المحلي.
ومن المتوقع بوجه عام أن تؤدي تغييرات السياسة إلى زيادة النمو حتى نهاية 2020، مما يحقق ارتفاعا بنسبة 1.2% في إجمالي الناتج المحلي الحقيقي في الولايات المتحدة بحلول عام 2020 مقارنة بالتوقعات التي لا تتضمن تغييرات السياسة الضريبية. وقد رُفِعت تنبؤات النمو في الولايات المتحدة من 2.3% إلى 2.7% في 2018 ومن 1.9% إلى 2.5% في 2019. ومع ارتفاع عجز المالية العامة الذي سيتطلب ضبطا ماليا في المستقبل، والطبيعة المؤقتة التي تتسم بها بعض البنود، من المتوقع أن يكون النمو أقل مما جاء في التنبؤات السابقة لبضع سنوات بدءا من 2022، مما يوازن بعض مكاسب النمو المحققة سابقا.
ومن المتوقع أن تكون استجابة التضخم لارتفاع الطلب المحلي ضعيفة بسبب انخفاض درجة حساسية ضغوط الأسعار الأساسية لتغير حالة التراخي في السنوات الأخيرة وحدوث بعض التسارُع في الوتيرة المتوقعة لرفع أسعار الفائدة الاساسية الذي يقرره الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة مقارنة بما ورد في توقعات الخريف، مع اتساع محدود في فروق علاوات العائد على الاستثمارات طويلة الأجل وعدم حدوث ارتفاع كبير في سعر صرف الدولار الأمريكي. وطبقا لما ذكرته لجنة الكونغرس المشتركة المعنية بالضرائب، فإن إصلاح قانون الضرائب من المتوقع أن يخفض المعدل الضريبي المتوسط للأسر المصنفة في فئات الدخل العليا مقارنة بالأسر في الفئات المتوسطة والمنخفضة، وخاصة على المدى المتوسط (عندما تنتهي فترة تطبيق بعض البنود التي يستفيد منها دافعو الضرائب أصحاب الدخل المنخفض والمتوسط).
ورُفِعت معدلات النمو المتوقعة لكثير من اقتصادات منطقة اليورو، خاصة ألمانيا وإيطاليا وهولندا، انعكاسا لزيادة زخم الطلب المحلي وارتفاع الطلب الخارجي. وبالنسبة لإسبانيا، خُفِّضت توقعات النمو بدرجة طفيفة لعام 2018 بعد أن كانت أعلى بكثير من المستوى الممكن، نتيجة لتأثر الثقة والطلب بزيادة عدم اليقين السياسي.

كذلك رُفِعت تنبؤات النمو للاقتصادات المتقدمة الأخرى في عامي 2018 و2019، وهو ما يرجع في الأساس لارتفاع النمو في الاقتصادات الآسيوية المتقدمة التي تتسم بحساسية خاصة تجاه آفاق التجارة والاستثمار العالميين. ورُفِعت تنبؤات النمو لليابان في عامي 2018 و2019 تمشيا مع رفع توقعات الطلب الخارجي، والموازنة التكميلية لعام 2018، وآثار النشاط الأقوى من المتوقع في الآونة الأخيرة.

وقد ظلت تنبؤات النمو الكلي دون تغيير بالنسبة للأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية في 2018 و2019، مع وجود اختلافات واضحة في الآفاق المتوقعة للمناطق المختلفة.
ففي بلدان آسيا الصاعدة والنامية، من المتوقع تحقيق نمو قدره 6.5% تقريبا على مدار الفترة 2018-2019، وهو معدل يكاد يتطابق مع معدل عام 2017. ولا تزال المنطقة تساهم بأكثر من نصف النمو العالمي. ومن المتوقع أن يتراجع النمو تدريجيا في الصين (وإن استتبع ذلك رفعا طفيفا لتنبؤات عامي 2018 و2019 مقارنة بتنبؤات الخريف في انعكاس لزيادة قوة الطلب الخارجي)، ويتحسن في الهند، ويظل مستقرا إلى حد كبير في منطقة رابطة أمم جنوب شرق آسيا (آسيان-5).

وفي أوروبا الصاعدة والنامية، حيث تشير التقديرات الحالية إلى تجاوُز النمو 5% في 2017، من المتوقع أن يظل النشاط الاقتصادي في 2018 و2019 أقوى مما كان متصورا في السابق، مدفوعا بزيادة تنبؤات النمو في بولندا وكذلك في تركيا بوجه خاص. وتعكس هذه التعديلات البيئة الخارجية المواتية، حيث تسود أوضاع مالية ميسرة وتزداد قوة الطلب على الصادرات من منطقة اليورو، كما تتسم السياسة بتوجهها التيسيري في تركيا.
وفي أمريكا اللاتينية، من المتوقع أن يكتسب التعافي قوة أكبر، حيث يبلغ النمو 1.9% في 2018 (كما كان متوقعا في الخريف) و2.6% في 2019 (مما يعني رفع التوقعات بمقدار 0.2 نقطة مئوية). والسبب الأساسي في هذا التغيير هو تحسن الآفاق في المكسيك بفضل زيادة قوة الطلب في الولايات المتحدة، وزيادة رسوخ التعافي في البرازيل، والآثار الإيجابية لارتفاع أسعار السلع الأولية وتيسير شروط التمويل في بعض البلدان المصدرة للسلع الأولية. وتمثل هذه التعديلات الرافعة للنمو عاملا موازِنا ومتجاوزا للتوقعات التي شهدت مزيدا من التخفيض في حالة فنزويلا.

كذلك تشير التوقعات إلى تحسن النمو في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأفغانستان وباكستان في 2018 و 2019، لكنه يظل ضعيفا عند قرابة 3.5%. ويساعد ارتفاع أسعار النفط على تعافي الطلب المحلي في البلدان المصدرة للنفط، بما فيها المملكة العربية السعودية، إلا أن التصحيح المالي الذي لا يزال لازما من المتوقع أن يؤثر سلبا على احتمالات النمو.
وتشير التوقعات الحالية إلى أن تحسن النمو في إفريقيا جنوب الصحراء (من 2.7% في 2017 إلى 3.3% في 2018 و3.5% في 2019) سيكون مطابقا إلى حد كبير لما ورد في توقعات الخريف، مع ارتفاع محدود في تنبؤات النمو المعنية بنيجيريا واحتمالات أضعف لجنوب إفريقيا حيث تشير التوقعات الحالية إلى بقاء النمو عند مستوى أقل من 1% في 2018-2019 نظرا لتأثر الثقة والاستثمار تأثرا سلبيا بزيادة عدم اليقين السياسي.

ومن المتوقع أن يظل النمو في العامين الحالي والقادم أعلى من 2% في كومنولث الدول المستقلة، يدعمه رفع طفيف لآفاق النمو المتوقعة لروسيا في 2018.
عودة إلى أعلى
المخاطر
تتعرض الآفاق المتوقعة لمخاطر متوازنة إلى حد كبير على المدى القصير، لكن كفة التطورات السلبية تظل هي الأرجح على المدى المتوسط كما ورد في عدد أكتوبر 2017 من تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي”. ومن المخاطر البارزة على النمو تشديد شروط التمويل العالمية مقارنة بالشروط التيسيرية الحالية، إما في الأجل القريب أو ما بعده.
وفي الأجل القريب، من المرجح أن يحافظ الاقتصاد العالمي على زخمه الحالي ما لم يحدث تصحيح في الأسواق المالية – التي شهدت تحركا صعوديا مستمرا في أسعار الأصول ودرجة تقلب بالغة الانخفاض، وهو ما لم يتأثر كما يبدو بالسياسات المتبعة أو عدم اليقين السياسي في الشهور القليلة الماضية. بل إن هذا الزخم قد يحقق ارتفاعا غير متوقع على المدى القصير إذا استمر الدعم المتبادل بين الثقة في آفاق الاقتصاد العالمي والأوضاع المالية الميسرة.
أما رد فعل عائدات السندات الأطول أجلا والدولار الأمريكي إزاء تغير السياسة الضريبية في الولايات المتحدة فيبدو محدودا حتى الآن، وتتوقع الأسواق حاليا تشديد السياسة النقدية بوتيرة أكثر تدرجا مما أشار السيناريو الأساسي في تقرير “آفاق الاقتصاد العالمي.” ويمكن أن يحدث التصحيح في الأسواق المالية مدفوعا بعوامل مثل ظهور علامات على ارتفاع التضخم في الولايات المتحدة، حيث تؤدي الدفعة التي يتلقاها الطلب إلى فرض ضغوط خافضة لمعدل البطالة الذي وصل إلى مستوى بالغ الانخفاض بالفعل. وإذا اقترن ارتفاع الضغوط التضخمية باعتماد الاحتياطي الفيدرالي وتيرة أسرع في رفع سعر الفائدة الأساسي مقارنة بسيناريو التوقعات الأساسية، يمكن أن يساهم ذلك في زيادة اتساع فروق علاوات العائد على الاستثمارات طويلة الأجل في الولايات المتحدة، وزيادة قوة الدولار الأمريكي، وانخفاض أسعار الأسهم. ومن شأن تشديد الأوضاع المالية العالمية أن يسفر عن انعكاسات على أسعار الأصول والتدفقات الرأسمالية في العالم، مما يتسبب في درجة عالية من التعرض للعسر المالي في الاقتصادات التي تواجه احتياجات كبيرة لإعادة تمويل الديون الإجمالية وتتحمل التزامات دولارية غير المغطاة.
وعلى الجانب السلبي أيضا، يمكن أن تأتي استجابة الاستثمارات الأمريكية لتغييرات السياسة الضريبية أضعف من المتصور في السيناريو الأساسي، مع ما يصاحب ذلك من تداعيات على قوة الطلب الخارجي بالنسبة للشركاء التجاريين الرئيسيين للولايات المتحدة.

وعلى المدى المتوسط، لا تزال التوقعات محاطة بمخاطر كبيرة تتمثل في احتمال تراكم مواطن الضعف إذا استمرت الأوضاع المالية الميسرة، وإمكانية اعتماد سياسات انغلاقية، وبعض العوامل غير الاقتصادية.
تراكم مواطن الضعف المالية: إذا امتدت الأوضاع المالية الميسرة إلى المدى المتوسط، وصاحبتها فترة مطولة من الانخفاض الشديد في أسعار الفائدة وانخفاض درجة التقلب المتوقع في أسعار الأصول، قد يسفر ذلك عن تراكم مواطن الضعف مع اتجاه المستثمرين الساعين لتحقيق العائد إلى زيادة انكشافهم للمعاملات مع الشركات والجهات السيادية المقترضة ذات التصنيف الائتماني الأقل والأسر ذات الجدارة الائتمانية الأضعف. وكما أشار عدد أكتوبر 2017 من “تقرير الاستقرار المالي العالمي”، فقد حدث ارتفاع كبير في نسبة الشركات ذات التصنيف الاستثماري المنخفض خلال السنوات القليلة الماضية حسب مؤشرات سندات الاقتصادات المتقدمة. وحدثت زيادة سريعة في ديون الشركات غير المالية لبعض الاقتصادات الصاعدة، مما يدعو إلى تحرك على مستوى السياسات. وقد بدأت السلطات الصينية بداية جديرة بالترحيب عندما قامت مؤخرا بتشديد القواعد المنظمة لأعمال الوساطة غير المصرفية. فمن الممكن أن تكون لهذه الانكشافات مخاطر ائتمانية مستترة بينما يستمر زخم النمو العالمي في الأجل القصير وتظل الحاجة محدودة لإعادة التمويل. وقد يؤدي غياب أي إشارات إنذار على المدى القصير أيضا إلى تعزيز السلوك الباحث عن تحقيق الربح وزيادة تراكم مواطن الضعف المالية التي تصعد إلى صدارة المشهد على المدى المتوسط.

السياسات الانغلاقية: نشهد حاليا إعادة تفاوض بشأن اتفاقيات تجارية مهمة طُبِّقَت لفترة طويلة، مثل اتفاقية أمريكا الشمالية للتجارة الحرة (“نافتا”) والاتفاقات الاقتصادية بين المملكة المتحدة وبقية بلدان الاتحاد الأوروبي. وإذا زادت الحواجز التجارية وعمليات إعادة الاتساق بين القواعد التنظيمية، سواء في سياق هذه المفاوضات أو غيرها، فسوف تؤثر سلبا على الاستثمار العالمي وتحد من كفاءة الإنتاج، مما يشكل عبئا معوقا للنمو الممكن في الاقتصادات المتقدمة والأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. ويمكن أن تزداد الضغوط الدافعة لانتهاج سياسات انغلاقية إذا فشلت المساعي لتحقيق نمو أكثر احتواءً لكل شرائح السكان وزادت الاختلالات الخارجية في بعض البلدان، بما فيها الولايات المتحدة.

العوامل غير الاقتصادية: وهناك توترات جغرافية-سياسية تخيم على الآفاق العالمية متوسطة الأجل، ولا سيما في شرق آسيا والشرق الأوسط. كذلك يؤدي عدم اليقين السياسي إلى نشأة مخاطر على تنفيذ الإصلاحات أو إمكانية تعديل وجهة جداول أعمال السياسات، وذلك في سياقات منها الانتخابات القادمة في عدة بلدان (مثل البرازيل وكولومبيا وإيطاليا والمكسيك). وتشير التطورات المناخية المتطرفة مؤخرا – كالأعاصير في الأطلنطي، والجفاف في إفريقيا جنوب الصحراء وأستراليا – إلى مخاطر تكرار الأحداث المناخية العنيفة التي تتسبب في خسائر بشرية مدمرة وأضرار اقتصادية في المناطق المتأثرة. وقد يتسبب ذلك أيضا في زيادة تدفقات الهجرة مما يمكن أن يزيد من زعزعة الاستقرار في البلدان التي تستقبل اللاجئين والتي تعاني من الهشاشة بالفعل.
عودة إلى أعلى
السياسات
هناك هدفان مشتركان للسياسة يربطان بين الاقتصادات المتقدمة والأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية. أولا، الحاجة إلى زيادة نمو الناتج الممكن – من خلال إصلاحات هيكلية لزيادة الإنتاجية، وخاصة في الاقتصادات المتقدمة التي تعاني من شيخوخة السكان، وزيادة المشاركة في القوى العاملة – مع التأكد من توزيع ثمار النمو على نطاق واسع. ثانيا، حتمية تعزيز الصلابة، بما في ذلك التنظيم المالي الاستباقي، والقيام، عند الحاجة، بإصلاح خلل الميزانيات العمومية وزيادة الهوامش الوقائية في المالية العامة. ويكتسب العمل في هذا الصدد أهمية بالغة في ظل أسعار الفائدة المنخفضة ودرجة التقلب المحدودة مع احتمال إجراء تعديلات مربكة في المحافظ الاستثمارية وانعكاس مسار التدفقات الرأسمالية. وتتيح مرحلة الصعود الدوري الجارية فرصة فريدة لإجراء إصلاحات هيكلية وإصلاحات في الحوكمة.
وعلى خلفية الأولويات المشتركة، يختلف مزيج السياسات الأمثل من بلد إلى آخر ويتوقف على اعتبارات دورية وعلى حيز السياسات المتاح.
ففي الاقتصادات المتقدمة حيث يقترب الناتج من مستواه الممكن، لا تزال ضغوط الأجور والأسعار ضعيفة مما يدعو إلى اتباع مسار حذر وقائم على البيانات عند استعادة السياسة النقدية العادية. غير أن تسريع وتيرة استعادة السياسة العادية قد يكون ضروريا حيثما كانت البطالة منخفضة ويُتوقع لها مزيدا من الانخفاض، كما هو الحال في الولايات المتحدة، وذلك إذا ارتفع التضخم إلى مستويات تفوق التوقعات الحالية. ومن المرغوب استمرار السياسة النقدية التيسيرية في الاقتصادات المتقدمة التي لا تزال لديها فجوات في الناتج ولا يزال التضخم دون المستوى الذي يستهدفه البنك المركزي. وفي الحالتين، ينبغي أن تركز سياسة المالية العامة على الأهداف متوسطة الأجل – بما فيها الاستثمارات العامة لدفع الناتج الممكن ومبادرات زيادة معدلات الانخراط في القوى العاملة حيثما وُجِدت فجوات – مع ضمان إمكانية استمرار ديناميكية الدين العام وتخفيض الاختلالات الخارجية المفرطة. وإذا كان ضبط أوضاع المالية العامة مطلوبا، ينبغي ضبط وتيرته بدقة لتجنب أي آثار حادة معوقة للنمو، مع توجيه السياسة نحو تحسين جودة خدمات الصحة العامة والتعليم، وحماية محدودي الدخل، ومن بينهم المتضررون المحتملون من التحول الهيكلي.

وفي اقتصادات الأسواق الصاعدة ساعد تحسن أطر السياسة النقدية على خفض التضخم الأساسي، مما يتيح المجال لاستخدام السياسة النقدية في دعم الطلب إذا ضعف النشاط الاقتصادي. أما سياسة المالية العامة بوجه عام فهي أكثر تقيدا بالحاجة إلى إعادة بناء الاحتياطيات الوقائية بالتدريج، وخاصة في الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية التي تعتمد على السلع الأولية. ومع فسحة الوقت التي أتاحها الصعود الدوري في أسعار السلع الأولية مؤخرا، ينبغي أن يتجنب صناع السياسات إغراءات تأجيل الإصلاحات وتعديل الموازنات إلى وقت لاحق. ويمكن لمرونة سعر الصرف أن تقوم بدور مكمل لمرتكزات السياسات المحلية بالحيلولة دون استمرار عدم الاتساق بين الأسعار النسبية، وتسهيل التكيف مع الصدمات، والحد من تراكم الاختلالات المالية والخارجية.

وهناك تعقد كبير تنطوي عليه تحديات السياسة التي تواجه البلدان منخفضة الدخل، حيث تتضمن أهدافا متعددة تتسم بالتضارب في بعض الأحيان. وتشمل هذه الأهداف دعم النشاط على المدى القصير، وتنويع اقتصاداتها ورفع ناتجها الممكن للحفاظ على التقدم نحو أهداف التنمية المستدامة، وبناء الاحتياطات الوقائية لتعزيز الصلابة، وخاصة في الاقتصادات المعتمدة على السلع الأولية والتي تعاني من ضعف الآفاق المتوقعة لأسعارها، وتواجه مستويات دين مرتفعة ومتزايدة في كثير من الحالات. وينبغي أن يستمر تركيز مبادرات السياسات على توسيع القاعدة الضريبية، وتعبئة الإيرادات، وتحسين إدارة الديون، وتخفيض الدعم غير الموجه بدقة إلى المستحقين، وتوجيه الإنفاق نحو مجالات ترفع النمو الممكن وتُحَسِّن مستويات المعيشة للجميع (البنية التحتية والصحة والتعليم). ومن شأن الجهود الرامية إلى تعزيز أطر السلامة الاحترازية الكلية وزيادة مرونة أسعار الصرف أن تحسن تخصيص الموارد وتحد من مواطن الضعف وتعزز الصلابة.

ولا تزال جهود التعاون متعدد الأطراف تكتسب أهمية بالغة في ضمان الحفاظ على الزخم الذي اكتسبه النشاط العالمي مؤخرا، وتعزيز الآفاق في المدى المتوسط، وضمان اقتسام منافع التقدم التكنولوجي والتكامل الاقتصادي العالمي على نطاق أوسع. وتشمل المجالات ذات الأولوية مواصلة تنفيذ جدول أعمال الإصلاح في مجال التنظيم المالي، وتجنب التسابق التنافسي نحو أدنى مستويات الضرائب ومعايير العمل والبيئة، وتحديث أطر التجارة متعددة الأطراف القائمة على قواعد، وتعزيز شبكة الأمان المالي العالمية، وكبح عمليات غسل الأموال عبر الحدود والجريمة المنظمة والإرهاب، وتخفيف آثار تغير المناخ والتكيف معها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock