الدولار/الين عند 160.. من يحسم المعركة؟

رانيا جول ، كبير محللي الأسواق في XS.com – منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا (MENA)
يواصل زوج الدولار الأمريكي مقابل الين الياباني استقطاب اهتمام المستثمرين والمتداولين حول العالم، ليس فقط لكونه أحد أكثر أزواج العملات تداولاً في الأسواق المالية، بل لأنه بات يمثل انعكاساً مباشراً لصراع اقتصادي ونقدي معقد بين أكبر اقتصاد في العالم وثالث أكبر اقتصاد عالمي. ومع اقتراب الزوج مجدداً من مستوى 160 ين للدولار، تتجدد التساؤلات حول قدرة الدولار على الحفاظ على زخمه الصاعد، ومدى فعالية التدخلات اليابانية في كبح ضعف العملة المحلية. ومن وجهة نظري، فإن المشهد الحالي لا يزال يميل لمصلحة الدولار على المدى القريب، رغم تنامي المخاطر السياسية والنقدية التي قد تحد من وتيرة هذا الصعود.
وخلال الأشهر الماضية أثبتت حركة الأسعار أن العوامل الأساسية الداعمة للدولار لا تزال أكثر قوة وتأثيراً من المحاولات اليابانية المتكررة لدعم الين. ففارق أسعار الفائدة بين الولايات المتحدة واليابان ما زال واسعاً بصورة تمنح المستثمرين حافزاً مستمراً للاحتفاظ بالدولار على حساب الين ضمن ما يعرف بتجارة العائد أو الـ Carry Trade وفي تقديري، فإن هذا العامل يمثل المحرك الرئيسي لاتجاه السوق، إذ إن المستثمرين العالميين لا ينظرون فقط إلى تحركات البنوك المركزية الحالية، بل إلى المسار المتوقع للسياسة النقدية خلال الأشهر المقبلة، وهو ما يصب حتى الآن في مصلحة العملة الأمريكية.
ورغم أن السلطات اليابانية أظهرت استعداداً واضحاً للتدخل في سوق الصرف الأجنبي، وأنفقت مبالغ ضخمة لدعم الين خلال الفترات الماضية، إلا أن نتائج هذه التدخلات كانت مؤقتة بطبيعتها. فقد نجحت في إحداث تراجعات حادة وسريعة لزوج الدولار/الين، لكنها لم تتمكن من تغيير الاتجاه العام للسوق. وبرأيي، يعود ذلك إلى أن التدخل المباشر لا يستطيع بمفرده معالجة الأسباب الاقتصادية العميقة وراء ضعف الين، وعلى رأسها الفجوة الكبيرة في العوائد بين السندات الأمريكية واليابانية واستمرار اعتماد الاقتصاد الياباني على واردات الطاقة، ما يزيد الضغوط على العملة المحلية كلما ارتفعت أسعار المواد الأولية عالمياً.
كما أن البيئة الجيوسياسية العالمية تضيف بعداً آخر يدعم الدولار الأمريكي. ففي فترات عدم اليقين والتوترات الدولية، يظل الدولار الملاذ الأكثر طلباً بين المستثمرين والمؤسسات المالية العالمية. ومن وجهة نظري، فإن استمرار المخاطر الجيوسياسية في عدة مناطق حول العالم سيحافظ على مستوى جيد من الطلب على الدولار، حتى في حال شهدت الأسواق بعض فترات التصحيح المؤقتة. وهذا يعني أن أي هبوط للدولار/الين قد يجد مشترين جدد عند مستويات أدنى، طالما بقيت العوامل الأساسية الداعمة للدولار قائمة دون تغيير جوهري.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل حقيقة أن مستوى 160 أصبح يمثل خطاً أحمر سياسياً بالنسبة للسلطات اليابانية. فكلما اقترب الزوج من هذه المنطقة، ترتفع احتمالات التدخل اللفظي أو الفعلي من جانب وزارة المالية اليابانية. لذلك أعتقد أن المستثمرين أصبحوا أكثر حذراً في بناء مراكز شرائية كبيرة بالقرب من هذه المستويات، وهو ما يفسر فشل الزوج حتى الآن في تحقيق اختراق مستدام أعلى هذا المستوى النفسي المهم. ومن هنا فإن المخاطر السياسية أصبحت تشكل سقفاً مؤقتاً لتحركات الدولار/الين، حتى وإن لم تكن قادرة على تغيير الاتجاه طويل الأجل بصورة كاملة.
والحدث الأهم الذي يجب مراقبته خلال الفترة المقبلة يتمثل في اجتماعات بنك اليابان والاحتياطي الفيدرالي الأمريكي. فإذا قرر بنك اليابان المضي قدماً نحو تشديد إضافي للسياسة النقدية أو أرسل إشارات أكثر وضوحاً حول رفع الفائدة مستقبلاً، فقد يمنح ذلك الين دعماً معنوياً وفعلياً يسمح له باستعادة بعض خسائره. لكنني أرى أن تأثير أي خطوة يابانية سيبقى محدوداً ما لم تترافق مع تحول واضح في موقف الاحتياطي الفيدرالي نحو خفض أسعار الفائدة أو الإشارة إلى دورة تيسير نقدي أكثر عمقاً مما تتوقعه الأسواق حالياً.
وعليه، أرى أن الزوج لا يزال يتحرك داخل نطاق سعري واسع تتراوح حدوده تقريباً بين 156.50 و160.50. وهذا النطاق يعكس حالة التوازن المؤقت بين قوة الدولار من جهة ومخاطر التدخل الياباني من جهة أخرى. ولذلك فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً في رأيي هو استمرار التداولات العرضية خلال المدى القصير، مع ميل صعودي محدود طالما حافظ الزوج على استقراره فوق مستويات الدعم الرئيسية.
أما بالنسبة لتوقعاتي خلال الأسابيع المقبلة، فأعتقد أن فرص اختراق مستوى 160 لا تزال قائمة، لكن هذا الاختراق يحتاج إلى محفز قوي يتمثل إما في استمرار قوة البيانات الاقتصادية الأمريكية أو تراجع توقعات خفض الفائدة الأمريكية. وفي حال تحقق ذلك، فقد نشهد محاولة لاختبار مستويات جديدة فوق القمة الحالية. ومع ذلك، فإنني لا أتوقع أن يكون الصعود سلساً أو مستداماً دون فترات تصحيح، خاصة مع اقتراب السوق من مناطق حساسة سياسياً بالنسبة لليابان.
وفي المحصلة، ما زلت أرى أن الدولار يحتفظ بالأفضلية النسبية أمام الين بفضل تفوقه في جانب العائد واستمرار الطلب العالمي عليه، إلا أن هذه الأفضلية لم تعد مطلقة كما كانت في السابق. فالتدخل الياباني، وإن كان محدود التأثير على المدى الطويل، يفرض قيوداً واضحة على وتيرة الصعود ويجعل أي مراكز شرائية قرب مستوى 160 أكثر خطورة من السابق. لذلك فإن المرحلة الحالية تتطلب من المستثمرين والمتداولين التركيز على إدارة المخاطر بقدر اهتمامهم باتجاه السوق، لأن القرار القادم من بنك اليابان أو الاحتياطي الفيدرالي قد يكون العامل الحاسم الذي يحدد ما إذا كان الدولار/الين سيتجه نحو قمم جديدة أم سيبدأ مرحلة تصحيح أوسع خلال النصف الثاني من العام.



