اخبار عامة

الأراضي البيضاء بين استثمار ذكي وفوضى إعلانية تُشوّه المشهد

جدة – ياسر خليل

تحوّلت مساحات واسعة من الأراضي البيضاء داخل المدن إلى منصّات للإعلانات الخارجية، في ظاهرة تتسارع وتيرتها مدفوعة برغبة الملاك في تحقيق دخل سريع دون تكاليف تطوير. وبينما يراها البعض استثمارًا ذكيًا لأصلٍ راكد، يحذّر مختصون من انعكاساتها السلبية على المشهد الحضري وقيمة الأحياء على المدى الطويل، ما يضع الجهات التنظيمية أمام معادلة دقيقة بين العائد الاقتصادي وجودة البيئة العمرانية.

دخل فوري بلا تطوير

يؤكد عدد من ملاك الأراضي أن تأجير مواقع لوحات إعلانية يمنحهم تدفقًا نقديًا ثابتًا، خصوصًا في ظل ارتفاع رسوم الأراضي البيضاء وتكاليف الاحتفاظ بها. وتختلف العوائد باختلاف الموقع وحجم اللوحة وكثافة الحركة المرورية، ما يجعل بعض المواقع “نقاط ذهبية” لشركات الإعلان.

ويشير مستثمرون في قطاع الدعاية إلى أن هذه اللوحات توسّع المعروض الإعلاني بأسعار تنافسية، وتفتح المجال أمام الشركات الصغيرة والمتوسطة للوصول إلى جمهور أوسع، فضلًا عن دورها غير المباشر في التعريف بمواقع الأراضي وتسويقها مستقبلًا.

وفي هذا السياق، يقول المطور العقاري خالد بن محمد السعود إن “تأجير الأراضي البيضاء للإعلانات حل مالي مؤقت ومنطقي، لكنه سلاح ذو حدين؛ فلوحة واحدة منظمة على طرف الأرض قد تكون مقبولة، أما التكدس العشوائي فيقوّض القيمة”. ويشدد على ضرورة أن تتضمن العقود شرط إخلاء خلال 90 يومًا، لتجنّب تعطيل أي فرصة تطوير جادة.

تشوّه بصري يضغط على القيمة

على الضفة الأخرى، يرى مختصون في التخطيط العمراني أن الانتشار غير المنظم للوحات يحوّل الأراضي الفضاء إلى “غابات إعلانية”، تُضعف الهوية البصرية للأحياء وتخلق انطباعًا بالإهمال. ويؤكدون أن المستثمر المؤسسي يقرأ المشهد البصري كإشارة مبكرة على مستوى التنظيم والبنية التحتية.

ويحذّر الخبير العقاري محمد عادل العقيل من أن “الفوضى الإعلانية لا تخصم من قيمة الأرض وحدها، بل من الحي كاملًا”، لافتًا إلى أن المطورين الكبار قد يتجنبون مناطق تنتشر فيها لوحات متهالكة أو غير منضبطة، لما تعكسه من ضعف رقابي. ويقترح تبني “كود بصري صارم” يحدد عدد اللوحات ومقاساتها ومواقعها، مع صيانة دورية، ومنعها في المحاور الاستراتيجية.

مخاطر نظامية وعقود مقيّدة

تؤكد مصادر بلدية أن جزءًا من هذه اللوحات يُقام دون تراخيص نظامية، ما يعرّض الملاك والمشغلين لغرامات قد تصل إلى 50 ألف ريال، إضافة إلى تكاليف الإزالة. كما أن مدد العقود—التي تمتد عادة بين 3 و5 سنوات—قد تتحول إلى قيد قانوني يعرقل صفقات بيع أو تطوير عند ظهور مستثمر جاد، خاصة في حال غياب بنود إخلاء مرنة.

اتجاه تنظيمي متصاعد

استجابةً لهذه التحديات، بدأت عدد من الأمانات في تشديد ضوابط تركيب اللوحات داخل النطاق العمراني، عبر اشتراطات فنية موحّدة، وتحديد مواقع مسموح بها، ومنعها كليًا في بعض الشوارع الرئيسية والمحاور ذات الأولوية التطويرية. وتأتي هذه الخطوات ضمن برامج تحسين المشهد الحضري وأنسنة المدن، بما يرفع جودة الحياة ويعزّز جاذبية الاستثمار.

بين العائد الآني والقيمة طويلة الأجل

يتفق خبراء على أن الحل لا يكمن في المنع المطلق، بل في تنظيم دقيق يوازن بين مصلحة المالك وجودة المدينة. فلوحة واحدة مرخّصة، بتصميم موحّد وموقع مدروس، وبعقد يتضمن شرط إخلاء قصير، قد تحقق دخلًا دون الإضرار بالفرص التطويرية. أما تحويل الأراضي إلى مساحات مكتظة بالإعلانات، فيبقى خصمًا مزدوجًا من قيمة العقار وصورة المدينة.

في المحصلة، تبدو “الأراضي البيضاء الإعلانية” خيارًا مرحليًا يحتاج إلى حوكمة واضحة؛ إذ إن المكسب السريع قد يتحول إلى تكلفة خفية إذا لم يُدار ضمن إطار بصري وتنظيمي يحفظ توازن السوق وجمال ا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock