السعودية تصنع عمالقة الماء

الدكتورة ايات الشاذلي
ليست كل الثروات تُستخرج من باطن الأرض؛ بعضها يُبنى فيالمصانع، ويتشكل في المختبرات، وينمو داخل العقول. ومن هذهالزاوية تحديداً يمكن قراءة إعلان الهيئة السعودية للمياه انتقال 6 فرص استثمارية إلى مرحلة التنفيذ الصناعي، باستثمارات إجماليةتبلغ 2.8 مليار ريال، تتضمن إنشاء 7 مصانع. فالخبر لا يتحدثعن منشآت جديدة فحسب، بل يكشف عن مستوى متقدم من الذكاءفي صناعة القرار الاقتصادي السعودي، حيث تتحول الحاجةالوطنية إلى فرصة صناعية، ويتحول الطلب المحلي إلى منصةللابتكار والتصدير.
القرار الأهم هنا هو النظر إلى قطاع المياه باعتباره صناعةمتكاملة، لا مجرد خدمة أساسية. وهذه قراءة استراتيجية تلتقطالقيمة الكامنة خلف كل قطرة ماء: تقنيات، ومكونات، وبرمجيات،ومعدات، ومهارات، وسلاسل توريد، وأسواق قابلة للنمو. فالدولةالتي تدير قطاع المياه بعقلية صناعية لا تكتفي بإنتاج المياه أونقلها، بل تصنع الأدوات التي تنتجها، وتطور الأنظمة التي ترفعكفاءتها، وتبني المعرفة التي تفتح أمامها أسواقاً جديدة.
وتأتي الخطوة ضمن برنامج أوسع يضم 18 فرصة استثماريةلتوطين 18 مكوّناً تمثل نحو 90% من المكونات الأساسية لصناعةالمياه في المملكة. وهذه النسبة تعكس دقة التخطيط وشمولية الرؤية؛إذ لا يجري اختيار مشاريع متفرقة، بل بناء منظومة صناعيةمترابطة تبدأ من المكونات الدقيقة، وتصل إلى التشغيل والتحكموالبحث والتطوير. إنها هندسة اقتصادية تعرف كيف تنتقل منالمشهد الكبير إلى التفاصيل التي تصنع التفوق الحقيقي.
وتشمل الصناعات المستهدفة أغشية التناضح العكسي، والموادالكيميائية الخاصة بتنظيف الأغشية، وأجهزة استعادة الطاقة،والمضخات ذات الضغط العالي، وأنظمة التحكم الموزعة، وأنظمةالمراقبة وجمع البيانات. وقد تبدو هذه المنتجات متخصصة، لكنهاتمثل قلب الصناعة المائية الحديثة، كما تمتد تطبيقاتها إلى الطاقةوالتعدين والزراعة والصناعات الغذائية. وهنا تتجلى براعة صناعةالقرار السعودي في اكتشاف القطاعات الجديدة: فالفرصة لا تُقاسبحجم السوق المباشر فقط، بل بقدرتها على خدمة قطاعات عديدةوخلق قيمة متراكمة عبر الاقتصاد.
هذا النوع من القرارات يعكس تحولاً في مفهوم الاستثمار نفسه. فالمملكة لا تبحث عن مصنع يؤدي وظيفة واحدة، بل عن قاعدةإنتاجية تولد حولها مورّدين، ومراكز أبحاث، وبرامج تدريب،وشركات تقنية، وفرص تصدير. وقد ارتفع عدد الموردين في قطاعالمياه من 739 مورداً عام 2022 إلى 3,441 مورداً في عام2026، كما ارتفعت نسبة المحتوى المحلي من 45% عام 2020 إلى 68.27% خلال النصف الأول من عام 2026. وتتوفر داخلالمملكة ما لا يقل عن 70% من مدخلات الإنتاج المطلوبة للمكوناتالمستهدفة، الأمر الذي يعزز تكامل المنظومة الصناعية ويمنحالمستثمرين وضوحاً أكبر في مسارات النمو.
والذكاء لا يظهر في اختيار المشاريع فحسب، بل في ربطها ببناءالإنسان. فالاتفاقيات تستهدف ألا تقل نسبة الوظائف التخصصيةعن 70% من القوى العاملة في المشاريع، بما يضع المهندسوالفني والباحث السعودي في قلب الدورة الصناعية. والمعنىالأعمق لذلك أن التوطين لا يتوقف عند نقل خطوط الإنتاج، بل يشملنقل المعرفة، وتطوير المنتجات، وتحسين الأداء، وصناعة أجيال قادرةعلى قيادة قطاع مائي ينافس عالمياً.
وتشير التقديرات إلى أن الفرص الست التي دخلت مرحلة التنفيذستسهم بنحو 4.36 مليار ريال في الناتج المحلي حتى عام2033، وتوفر 3,090 وظيفة هندسية وفنية مباشرة وغير مباشرة. كما يُتوقع أن تسهم المنتجات المحلية في خفض تكلفة المكوناتالمستهدفة بنسبة تتراوح بين 20% و30%، مع تصدير ما بين20% و50% من الإنتاج بحسب طبيعة كل منتج وحجم الطلبالخارجي.
أما السوق، فهي تمنح هذا النموذج قوة إضافية. فالطلب المحليالتراكمي على الفرص الـ18 يتجاوز 15 مليار ريال حتى عام2033، في حين يقدّر الطلب في منطقة الشرق الأوسط وشمالأفريقيا بنحو 65 مليار ريال. وهذا يعني أن السعودية لا تبنيصناعة لخدمة احتياجاتها فقط، بل تصمم منذ البداية منصةإقليمية للتقنيات المائية، تستفيد من موقع المملكة، وقدراتهااللوجستية، وشراكاتها الدولية، وخبرتها المتراكمة في إدارة المياهوتحليتها.
وقد بدأت النتائج تظهر بوضوح؛ إذ حققت المملكة الاكتفاء الذاتيفي أغشية التناضح العكسي المنتجة محلياً، وصدّرتها إلى 27 دولة. كما يُتوقع أن يورد مصنع أجهزة استعادة الطاقة في الدمامنحو ثلث عملاء الشركة حول العالم ابتداءً من الربع الأول من عام2027، فيما تبدأ 4 مصانع تابعة لشركة إيطالية الإنتاج في عام2028، بينها أكبر مجمع صناعي للشركة خارج إيطاليا.
ولذلك حظي المسار السعودي بأصداء في مؤسسات ومنصاتمرموقة حول العالم، من بينها الأمم المتحدة و«أراب نيوز» و«فاستكومباني الشرق الأوسط»، التي رأت في التجربة انتقالاً مناستهلاك تقنيات المياه إلى تصنيعها وتطويرها وتصديرها. وهذههي خلاصة المشهد: صناعة القرار السعودي لا تنتظر أن تصبحالقطاعات الجديدة واضحة للجميع، بل تتقدم إليها مبكراً، وتمنحهاالبنية والطلب والتمويل والكوادر، ثم تحولها إلى ميزة وطنية.
إن السعودية لا تبني مصانع للماء فقط؛ إنها تبني اقتصاداً جديداًحول الماء، وتثبت أن الرؤية الذكية هي التي ترى في القطاعالحيوي مجالاً للصناعة، وفي الصناعة مجالاً للمعرفة، وفي المعرفةفرصة لقيادة الأسواق.


