*حين غادرت الفرشاة يدها… منى القصبي تُسدل الستار على نصف قرن من الضوء*

جدة/ ياسر خليل
لم يكن الأحد مساءً عاديًا في ذاكرة اللون. هناك، انطفأت شمعة منى عبدالله عثمان القصبي، المرأة التي علّمت الجدران كيف تنطق. خمسون عامًا من الرسم، ثم صمت. خمسون عامًا من المعارض، ثم وداع.
منى القصبي لم ترسم لوحات فحسب. رسمت مدينة. رسمت جيلاً. رسمت مؤسسة. خرّيجة اللغة الإنجليزية من جامعة الملك عبدالعزيز، ابنة الصحافة والأدب، اختارت أن تكتب سيرتها بالزيت والأكريليك، وأن تترك الحبر للآخرين.
في 1408هـ، لم تفتتح مرسمًا، بل فتحت بابًا. المركز السعودي للفنون التشكيلية في جدة كان فكرتها، إدارتها، رهانها. مئتا معرض مرّوا من تحته. فنانون من باريس إلى القاهرة عبروا صالته. شابات وشبان وجدوا جدارًا يعلّقون عليه الحلم الأول. تحوّل المركز من مكان إلى معنى، ومن عنوان إلى تيار.
معارضها الشخصية ثلاثة، لكن الجماعية تجاوزت المئة. حضرت حيث يجب أن تكون: الجنادرية حين كانت البوابة، القاهرة حين كان البينالي اختبارًا، روما وشرم الشيخ وبنين حين كان العالم يسأل: من أنتم؟ وأجابت باللون. المغرب، فرنسا، اليمن، مصر… جواز سفرها كان ريشتها.
الجوائز لم تلاحقها، هي التي لاحقت المعنى. “ملوّن السعودية” 1419هـ، مشروع أبناء الأمير عبدالله 1421هـ، معرض الفنانات السعوديات 1422هـ، وتكريم الأمير سلطان بن فهد 1424هـ لأنها لم تكن تشارك فقط، بل تؤسس. اقتنى الأمير سعود الفيصل عملاً لها عام 2007، ومنحتها لجنة “تحت بيرق سيدي” جائزتها لأنها كانت دائمًا تحت بيرق الفن.
باريس كرّمتها مرتين. نويل كوريه، رئيس صالون الخريف، سلّمها التقدير عام 2011، وعادت في 2014 ليُقال اسمها مجددًا تحت سقف القصر الكبير. بينهما، مرّت على جنوب سيناء، ونالت جائزة المصحف الأثري من الأميرة صيته بنت عبدالله، ووضعت بصمتها في بينالي بنين ومعارض البحرين.
لم تتقاعد. 2019 وضعها معهد مسك للفنون في قائمة المؤثرين لأن الأثر لا يتقاعد. 2022 كرّمتها “الثقافة والفنون”. 2023 شاركت في “نحن معًا” بالمدينة، وعرضت في صالة فيصل بن فهد بالرياض. الصحف الكبرى: “المدينة”، “عكاظ”، “البلاد”، منحوها دروعهم. طلال أدهم شكرها. والجمهور، قبلهم جميعًا، حفظ ألوانها.
هي شقيقة معالي وزير التجارة الدكتور ماجد القصبي. بيت واحد، طريقان: القرار والخيال. والتقت الطريقان عند نقطة اسمها الأثر.
اليوم الثلاثاء، بعد صلاة الظهر، يُصلّى عليها في الحرم المكي الشريف. ثم تسير إلى المعلاة، المقبرة التي لا تفرّق بين وزير وفنان، بين مسؤول وحالم. هناك، يلتقي الجسد بالتراب، ويبقى اللون معلقًا في صالات الذاكرة.
برحيل منى القصبي، لا يخسر الفن امرأة. يخسر الفن فصلاً كاملاً. فصلاً كتبته وحدها، من العنوان إلى الهامش، وتركته مفتوحًا للأجيال القادمة لتكمل التلوين.
إنا لله وإنا إليه راجعون.




