*«بين الشاشة والذاكرة»… محمد البشير: الفيلم يبدأ حين ينتهي العرض*

جدة / ياسر خليل
في مشهد سينمائي سعودي يتسارع نحو النضج، يطرح الناقد السينمائي محمد البشير سؤالًا يتجاوز الحكم على جودة الفيلم إلى كيفية قراءته وبقائه في الذاكرة: من يحكم على الفيلم… الجمهور أم الزمن؟
البشير، الذي انتقل من دراسته الأكاديمية حول «تلقي الرواية السعودية في الصحافة» إلى تفكيك تلقي السينما، يرى أن الفيلم لا يكتمل عند عرضه، بل تبدأ حياته الحقيقية في وعي الجمهور وتعدد تأويلاته. لذلك يتجاوز مشروعه حدود النقد التقليدي نحو فهم آلية التلقي: كيف يُقرأ الفيلم ولماذا تختلف الآراء حوله، وتأثير ذلك في حركة الإنتاج واستمرار المخرجين وتوجهات السوق.
وفي كتابه التوثيقي «السينما السعودية: فيلموجرافيا الأفلام السعودية في صالات السينما»، يرصد لحظة 2018 مع عودة دور العرض بوصفها نقطة تحوّل أعادت تشكيل العلاقة بين الفيلم والمتلقي، وأطلقت مسارًا جديدًا للإنتاج. الكتاب ليس مجرد قائمة أفلام، بل خريطة تكشف أنماط الإنتاج واتجاهاته حتى 2023، وتظهر تحولات لا يمكن ملاحظتها عند النظر لكل فيلم بمعزل.
ويؤكد البشير أن تعدد الآراء حول الفيلم الواحد مؤشر صحي، فالفيلم «يشبه الماء»، كل متلقٍ يراه من زاويته ويفسره وفق تجربته، بينما يظل في جوهره واحدًا. ويرى أن الآراء الانطباعية السريعة مهمة لأنها تعكس الاستجابة المباشرة للجمهور، وتسهم في تشكيل الصورة العامة للعمل إلى جانب النقد المتخصص. من هنا جاءت ورش كتابة المراجعات التي يدعمها مع هيئة الأفلام، بهدف تحويل التلقي من تجربة صامتة إلى ممارسة فاعلة، وتوسيع دائرة المشاركة في المشهد النقدي.
ويرفض البشير اعتبار تعدد الأصوات تشتيتًا، فالمشكلة ليست في الكثرة بل في غياب الإطار الذي يقرأها، وهو ما توفره اليوم المهرجانات والمؤتمرات والمنصات الإعلامية. كما يربط بين التوثيق والتلقي، فالأول يحدد موقع الفيلم في المشهد والثاني يفسر كيف يُفهم، والجمع بينهما يعطي صورة متكاملة. ويعدّ التوثيق فعلًا نقديًا لأن اختيار ما يُوثق وكيف يُعرض يعكس رؤية، وما يكتبه النقاد يتحول مع الزمن إلى مرجع يُبنى عليه.
وحول السوق السعودي، يرى أنه أصبح لاعبًا إقليميًا مؤثرًا، لكن الخطر في اختزال قيمة الفيلم بالأرقام فقط، وهنا تبرز أهمية القراءة النقدية المتوازنة. ويشدد على أن دور الناقد السعودي لم يعد إصدار الأحكام، بل تفسير تشكّل المعنى وربط العمل بسياقه، ضمن حراك مؤسساتي تعززه جمعية نقاد السينما السعودية.
ويختم البشير بأن الزمن هو من يحكم على الفيلم، فما يُكتب اليوم هو لحظة من لحظات التلقي، أما ما يبقى فهو ما يثبت حضوره. وبين التلقي والتوثيق تتشكل الذاكرة التي ستخبرنا لاحقًا: ماذا بقي، ولماذا.



