الذهب يستقر فوق مستوى 5,000 دولار في ظل الضبابية التي تهيمن على الاقتصاد العالمي

الكاتب. أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بتك
واجه الذهب بعض الصعوبات خلال الأسابيع الأخيرة، على الرغم من تصاعد التوترات في الشرق الأوسط وتزايد الضبابية التي تكتنف آفاق الاقتصاد العالمي. ورغم أن الأسعار لا تزال مستقرة بشكل ثابت فوق مستوى 5,000 دولار للأونصة، إلا أن ضعف الطلب في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية أثار تساؤلات لدى المستثمرين.
ويهيمن على المشهد الحالي للأسواق أحد أكبر الاضطرابات التي شهدتها تدفقات الطاقة العالمية منذ عقود. فقد أدى تعطل إمدادات النفط الخام والغاز والوقود المكرر من منطقة الخليج العربي إلى ارتفاعات حادة في أسعار عدد من السلع، بدءاً من النفط والغاز الطبيعي وصولاً إلى الديزل والغاز الطبيعي المسال والأسمدة. وتزيد هذه التحركات من مخاطر حدوث صدمة تضخمية جديدة، في الوقت الذي تهدد فيه بتباطؤ النمو الاقتصادي العالمي، ما يخلق البيئة المثالية لما يُعرف بالركود التضخمي.
وفي هذا السياق، قد يبدو الأداء الهادئ للذهب غير منطقي. غير أن تفسير ذلك يعود جزئياً إلى الدور الذي يلعبه المعدن الأصفر باعتباره أحد أكثر الأسواق سيولة ضمن منظومة السلع. ففي فترات عدم اليقين المرتفعة، يميل المستثمرون إلى تعزيز مستويات السيولة، وغالباً ما يتحول الذهب إلى مصدر لتوفير النقد اللازم لتغطية متطلبات الهامش أو لإعادة موازنة المحافظ الاستثمارية. وقد ساهمت هذه الديناميكية في حركة الأسعار الجانبية التي شهدها السوق مؤخراً.
في الوقت نفسه، أعادت أسواق أسعار الفائدة قصيرة الأجل تعديل توقعاتها، حيث باتت تستبعد عملياً احتمال خفض أسعار الفائدة في الولايات المتحدة خلال عام 2026. وبالتوازي مع قوة الدولار الأميركي، شكّل هذا التحول عامل ضغط إضافياً على أسعار الذهب في الأجل القصير. فارتفاع العوائد الحقيقية يقلل عادة من جاذبية الأصول التي لا تدر عائداً، لا سيما عندما تفسر الأسواق ارتفاع أسعار السلع على أنه خطر تضخمي قد يستدعي تشديد السياسة النقدية.
ومع ذلك، نرى أن هذا التفسير قد يتجاهل طبيعة الصدمة الحالية. فارتفاع أسعار الطاقة ناتج في المقام الأول عن اضطراب في جانب العرض وليس عن طفرة في الطلب. تاريخياً، تحمل صدمات العرض دلالات اقتصادية كلية مختلفة؛ إذ لا تعكس اقتصاداً يعاني من فرط النشاط يستدعي رفع أسعار الفائدة، بل تعمل غالباً كضريبة على النمو من خلال رفع تكاليف الإنتاج وتقليص القوة الشرائية للمستهلكين.
وإذا استمرت صدمة الطاقة بالحجم الحالي، فقد تؤدي إلى تباطؤ النشاط الاقتصادي في الاقتصادات الأكثر استهلاكاً للطاقة، بما في ذلك الولايات المتحدة وأوروبا. وفي مثل هذا السيناريو، قد يواجه مجلس الاحتياطي الفيدرالي معضلة معقدة في إدارة السياسة النقدية. فبينما قد يؤدي ارتفاع أسعار الطاقة إلى دفع التضخم العام إلى الارتفاع، فإن تباطؤ الزخم الاقتصادي قد يدفع صناع القرار في الوقت ذاته إلى إعطاء الأولوية لدعم النمو بدلاً من الإبقاء على ظروف مالية مشددة.
ولهذا السبب نرى أن افتراض الأسواق بأن الاحتياطي الفيدرالي لن يقدم على خفض أسعار الفائدة قد يكون سابقاً لأوانه. فإذا تراجع النشاط الاقتصادي بشكل ملموس، فقد يتحول تركيز السياسة النقدية نحو استقرار النمو بدلاً من التشدد في مواجهة تضخم ناتج أساساً عن قيود العرض.
ومن المهم الإشارة إلى أن العوامل الهيكلية التي دعمت الطلب الاستثماري القوي على الذهب خلال السنوات الأخيرة لم تتلاشى، بل ربما تعززت. فتصاعد التوترات الجيوسياسية لا يزال يدعم الطلب على الأصول الآمنة، في حين تبقى العجوزات المالية المرتفعة في عدد من الاقتصادات الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، مصدر قلق طويل الأجل للمستثمرين الذين يركزون على استقرار العملات والحفاظ على القوة الشرائية.
أما الطلب من البنوك المركزية، الذي شكّل أحد الأعمدة الرئيسية لسوق الذهب خلال السنوات الماضية، فقد يشهد بعض التباطؤ مع ارتفاع الأسعار. ومع تزايد حصة الذهب في محافظ الاحتياطيات مقارنة بالأصول التقليدية مثل السندات الحكومية، قد تتجه بعض البنوك المركزية إلى إبطاء وتيرة المشتريات. ومع ذلك، فإن الدافع الاستراتيجي الأوسع المتمثل في تنويع الاحتياطيات بعيداً عن العملات وتقليص المخاطر الجيوسياسية لا يزال قائماً بقوة.
في ضوء هذه المعطيات، نواصل تبني نظرة إيجابية لقطاع المعادن الثمينة. ورغم احتمال استمرار التقلبات قصيرة الأجل وعمليات البيع المرتبطة بالحاجة إلى السيولة، فإن البيئة الاقتصادية الكلية الأوسع تظل داعمة. فاستمرار التوترات الجيوسياسية، والغموض المالي، ومخاطر الركود التضخمي، جميعها عوامل توفر بيئة مواتية للأصول الحقيقية.
وعليه، نحافظ على توقعاتنا الإيجابية للذهب، ونرى إمكانية وصول الأسعار إلى مستوى 6,000 دولار للأونصة خلال الفصول المقبلة. وفي حال تحقق هذا السيناريو، قد يواصل الفضة أيضاً مسار الارتفاع، مع احتمال عودتها إلى مستوى 100 دولار. غير أن تجاوز هذا المستوى قد يواجه تحديات، إذ إن الأسعار المرتفعة قد تؤدي إلى تراجع الطلب الصناعي، وفي الوقت ذاته تشجع على زيادة المعروض من الفضة المعاد تدويرها.


