مقالات

باقة الحج الشاملة .. «حركات بركات»!

تُمثّل «الباقة الشاملة» التي أطلقتها وزارة الحج والعمرة عبر منصة «نسك مسار» لموسم حج 1448هـ تحولاً مهماً في نموذج التعاقد مع شركات تقديم الخدمة لحجاج الخارج، من خلال جمع الخدمات في طلب تعاقد واحد، بما يعزز وضوح المسؤوليات ويرفع كفاءة التشغيل.

فبعد أن كانت بعثات الحج تتولى التعاقد مباشرةً على عدد من الخدمات في مكة المكرمة والمدينة المنورة، منها الإسكان الفندقي والنقل والإعاشة والخدمات الطبية، فيما تتولى شركات تقديم الخدمة لحجاج الخارج تقديم خدمات المشاعر المقدسة (عرفات ومزدلفة ومنى)، إلى جانب مسؤولياتها التشغيلية ومتابعة الخدمات الأخرى، يأتي النموذج الجديد ليمنح الشركات دوراً أوسع في إدارة حزمة الخدمات المذكورة كاملةً.

وهي خطوة تفتح فرصاً لتنمية موارد شركات تقديم الخدمة لحجاج الخارج وتطوير أعمالها، وتمنحها مساحة أكبر لتقديم خدمات متكاملة، لكن نجاحها يرتبط بقدرة تلك الشركات على تأمين جميع مكونات الباقة، خصوصاً أن السكن الفندقي يمثل عنصراً رئيسياً وحاسماً فيها.

وهنا يبرز التحدي؛ فشركات الضيافة التي تمتلك فنادق، أو تربطها بالفنادق علاقات أو شراكات، تستطيع الوصول إلى مخزون كبير من الغرف والأسرة، وتتمتع بميزة تنافسية تنعكس على قدرتها على استقطاب البعثات، وربما التأثير في خياراتها، خصوصاً أن بعض البعثات تفضّل مواقع فنادق بعينها، وفي المقابل، قد تواجه شركات أخرى، رغم خبرتها في تشغيل خدمات المشاعر المقدسة والنقل والإعاشة والخدمات الطبية، فضلًا عن خدمات المدينة المنورة، صعوبة في استكمال الباقة بسبب محدودية خيارات السكن المتاحة لها، وما قد يصاحب ذلك من ممارسات احتكارية.

هنا، قد تجد بعض بعثات الحج التي اعتادت التعامل مع شركات ترتاح لأدائها نفسها مضطرة إلى تغييرها، لا لعدم رضاها عن خدماتها، وإنما لأن الحصول على فنادق بعينها أصبح مرتبطاً بالتعاقد مع شركات أخرى، ما يجعل السكن الفندقي عامل ضغط يحدّ من حرية البعثات في اختيار الشركة الأنسب لها.

ولا تكمن الإشكالية في امتلاك الفنادق، فهو استثمار مشروع، وإنما في ضمان ألا تتحول أفضلية الوصول إلى المخزون الفندقي إلى عامل يحد من فرص المنافسة، أو يجعل الكفاءة التشغيلية للشركة وقوتها وحده غير كافي للدخول في المنافسة على الباقة الشاملة.

ومن هنا، تبرز أهمية دراسة إدراج الغرف الفندقية المؤهلة للتعاقد ضمن مسار إلكتروني موحد مكشوف، يتيح التحقق من المخزون المتاح والأسعار وفترات الإتاحة، وفق ضوابط واضحة تحفظ حقوق المستثمرين، وتمنح شركات تقديم الخدمة فرصاً أوسع للوصول إلى السكن.

كما تبرز أهمية وضع آليات رقابية واضحة للتحقق من الأسعار المعلنة، ومنع المبالغة فيها، إذا ما جرى التوجه إلى هذا الخيار، بما يقطع الطريق على بعض الممارسات غير السليمة!، ويرصد المخالفات ويضمن تطبيق الجزاءات النظامية عند ثبوتها، وذلك بما يحمي المنافسة من الممارسات الضارة، دون الإخلال بحقوق المستثمرين أو فرض قيود غير مبررة على النشاط التجاري.

وفي المقابل، ينبغي أن تقابل الشفافية المطلوبة في سوق السكن الفندقي آلياتٌ للحجز والسداد تضمن جدية التعاقدات وتحمي حقوق ملاك الفنادق من الحجوزات غير المؤكدة، من خلال شروط معلنة للدفعات والإلغاء والتعويضات، تتناسب مع طبيعة تعاقدات الحج ومواعيدها المحددة.

حقيقةً، الباقة الشاملة خطوة تطويرية مهمة، ويؤمَّل أن تكون مستقبل خدمات الحج، وأن ترتقي بتطلعات ضيوف الرحمن. لكن نجاحها لا يُقاس بمجرد جمع الخدمات في طلب تعاقد واحد، وإنما بما تحققه على أرض الواقع من كفاءة تشغيلية وعدالة في المنافسة، بما يضمن تكامل الخدمات وعدم تقليص فرص الوصول إليها.

وهنا تحضرني عبارة صديق باكستاني يرددها كلما أعجبه أمر: «هذا كويس.. بس نفرات سوي حركات بركات!». والمقصود أن المشروع بلا شك نوعي ورائد، لكن العبرة بالتطبيق، نريد أن تكون «الحركات.. بركات» في تطوير الخدمات ورفع جودتها وتعزيز كفاءة المنظومة، لا في الالتفاف على المنافسة أو تعقيدها، بما يضمن حماية حقوق جميع الأطراف، وصولًا إلى خدمة أفضل للحاج.

الكاتب: عبدالله بن علي الزهراني
إعلامي | شؤون الحج والعمرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock