ملفات متعددة تنتظر أمين جدة الجديد بين المشاريع والبنية التحتية وتطوير الخدمات

جدة. ياسر خليل
في جدة، لا يبدأ التحدي الحقيقي للأمناء الجدد من الملفات الإدارية، بل من ذاكرة المدينة نفسها؛ ذاكرة ممتلئة بالمشروعات المتعثرة، والوعود المؤجلة، والطرق التي طال انتظار اكتمالها، والأحياء التي ما تزال تشعر بأنها خارج خارطة التنمية الكبرى.
الأمين الجديد لا يتسلّم مجرد جهاز بلدي، بل يتسلّم مدينة تعيش مفارقة حادة بين صورتها بوصفها الواجهة الاقتصادية والسياحية للمملكة على البحر الأحمر، وبين واقع يومي يراه السكان أقل بكثير من حجم الطموح المُعلن.
فجدة التي تُقدَّم كإحدى أهم مدن التحول الحضري في المنطقة، ما تزال تواجه أسئلة قديمة تتكرر مع كل موسم مطري، وكل مشروع متعثر، وكل شارع يُغلق بلا نهاية واضحة.
وفي الشارع الجداوي، تبدو المطالب اليوم أكثر عمقاً من مجرد تحسينات خدمية عابرة. السكان لم يعودوا يبحثون عن مشاريع ضخمة بقدر ما يبحثون عن “مدينة قابلة للحياة”؛ مدينة لا تُدار بردود الأفعال، ولا تتحول فيها التنمية إلى حفريات مفتوحة ومواعيد مؤجلة.
ويأتي ملف البنية التحتية في مقدمة التحديات التي تنتظر الأمين الجديد، خصوصاً مع استمرار حساسية السكان تجاه ملف تصريف السيول والأمطار، الذي تحوّل خلال السنوات الماضية إلى اختبار دائم لفاعلية التخطيط الحضري. ففي كل مرة تهطل فيها الأمطار، يعود السؤال ذاته: كيف لا تزال مدينة بهذا الثقل الاقتصادي تعاني من هشاشة خدمية أمام اختبارات مناخية متكررة؟
ولا تقل أزمة الطرق والحفريات تعقيداً؛ إذ باتت تمثل لدى كثير من السكان رمزاً لمشاريع تبدأ قبل اكتمال الرؤية، أو تتعثر دون تفسير واضح.
كما يزداد الحديث عن الفجوة التنموية بين بعض أحياء جدة، في ظل مطالب متصاعدة بعدالة عمرانية أكثر توازناً، يشعر معها السكان بأن التنمية تصل إلى الجميع، لا إلى مناطق محددة فقط.
لكن الملف الأكثر حساسية واستفهاماً شعبياً يبقى مشروع مدينة الملك عبدالله الرياضية “الجوهرة”، الذي يُنظر إليه باعتباره نموذجاً مكثفاً لطبيعة المشروعات الكبرى في المدينة؛ مشاريع ضخمة من حيث الرمزية والبناء، لكنها لم تتحول بالكامل بعد إلى منظومات حضرية متكاملة.
ورغم المكانة الرياضية والمعمارية التي تمثلها الجوهرة، إلا أن المنطقة المحيطة بها ما تزال، وفق آراء كثير من السكان، أقل من الإمكانات التي وُعدت بها. فالملعب قائم، لكن البيئة العمرانية والخدمية والاستثمارية المحيطة به لم تنجح حتى الآن في صناعة “وجهة حياة” متكاملة تستمر خارج أوقات المباريات والمواسم الرياضية.
ويرى مهتمون بالشأن العمراني أن التحدي الحقيقي أمام الأمانة لا يكمن في تطوير منشأة رياضية فقط، بل في إعادة تعريف المنطقة بالكامل كمركز حضري نابض بالحياة، يضم استثمارات ترفيهية وتجارية وسياحية ومساحات عامة، بما يجعل المشروع جزءاً عضوياً من المدينة، لا كتلة معمارية معزولة على أطرافها.
وفي خلفية هذه الملفات، يبرز تحدٍ أكثر عمقاً يتعلق بهوية جدة العمرانية نفسها. فالمدينة، التي عاشت خلال العقود الماضية تمدداً سريعاً وتحولات متلاحقة، تبدو اليوم أمام سؤال مصيري: كيف يمكن مواصلة التنمية دون فقدان روح جدة وتاريخها وملامحها الإنسانية؟
السكان، وفق مراقبين، لا يريدون من الأمين الجديد مجرد إدارة للمشروعات، بل إدارة لفكرة المدينة ذاتها؛ مدينة أكثر توازناً، وأكثر وضوحاً، وأكثر احتراماً لتفاصيل الحياة اليومية.
ومع اتساع سقف التوقعات، تبدو مهمة الأمين الجديد شديدة التعقيد؛ فنجاحه لن يُقاس بعدد المشاريع التي يعلنها، بل بقدرته على استعادة الثقة بين المدينة وسكانها، وإنهاء زمن المشاريع التي تبدأ كبيرة وتنتهي معلّقة في ذاكرة جدة.


