متابعات

حق الصورة للاعب الرياضي بين الحماية القانونية والاستغلال التجاري

الكاتبة. المحامية والمحكم التجاري

د. رباب احمد المعبي

RABAB_ALMOOBI@

لم يعد الحديث عن اللاعب الرياضي مقتصرًا على أدائه داخل الملعب، بل امتد إلى صورته واسمه وصوته وهويته الرقمية بوصفها عناصر ذات أثر قانوني واقتصادي متصاعد. ومع التوسع الكبير الذي يشهده القطاع الرياضي وصعود الإعلام الرقمي، برز “حق الصورة” كأحد أهم الحقوق القانونية والاقتصادية المرتبطة باللاعب الرياضي، إذ لم تعد صورة اللاعب مجرد انعكاس بصري لشخصه، بل أصبحت أصلًا معنويًا ذا قيمة تجارية متنامية يمكن استثماره وترخيصه وتداوله في مجالات التسويق الرياضي والمنصات الرقمية وتقنيات الذكاء الاصطناعي، في وقت تتداخل فيه الرياضة مع الإعلام والتقنية والتسويق على نحو متسارع.

ويقصد بحق الصورة “حق الشخص في التحكم في تصويره أو نشر صورته أو استغلالها تجاريًا وإعلاميًا”، بحيث لا يجوز استخدامها إلا بإذنه أو استنادًا إلى سند نظامي مشروع. ولا يقتصر هذا الحق على الصور الفوتوغرافية التقليدية، بل يمتد إلى الصور الرقمية والبث التلفزيوني والمقاطع المرئية والصوت والهوية البصرية والألعاب الإلكترونية والصور المنتجة بالذكاء الاصطناعي، فضلًا عن استخدام الاسم أو الشهرة المرتبطة باللاعب، بما يمنحه سلطة التحكم في استغلال هذه العناصر ومنع أي توظيف تجاري أو إعلامي لها من دون موافقته أو من غير أساس نظامي مشروع.

ورغم الارتباط الوثيق بين حق الصورة والعلامة التجارية، إلا أن الأول يعد حقًا لصيقًا بالشخصية والهوية الفردية، بينما تمثل العلامة التجارية أداة قانونية لحماية الاستغلال التجاري للاسم أو الشعار أو الهوية التسويقية في السوق. ولهذا قد يجتمع الحقان معًا في البيئة الرياضية الحديثة، خصوصًا مع تحول أسماء اللاعبين وشعاراتهم إلى علامات تجارية عالمية ذات قيمة اقتصادية عالية.

وتتجلى القيمة الاقتصادية لحق الصورة في النماذج العالمية التي حولت شهرة اللاعبين إلى علامات تجارية راسخة، مثل علامة CR7 الخاصة بكريستيانو رونالدو، وعلامة Michael Jordan، وعلامة Messi، وهي أمثلة تعكس كيف تحولت الهوية الرياضية إلى أصول اقتصادية وتسويقية ذات حضور عالمي.

وفي العقود الرياضية الحديثة، أصبحت بنود “حق الصورة” من البنود الجوهرية، إذ تنظم عقود اللاعبين المحترفين آلية استغلال صورة اللاعب واسمه وشهرته تجاريًا، من حيث نطاق الترخيص ومدته والمقابل المالي المستحق. كما قد يخول النادي حق استغلال صورة اللاعب في الإعلانات والمحتوى الرقمي والحملات التسويقية ضمن ضوابط تعاقدية تمنع أي استخدام يتجاوز حدود الترخيص الممنوح.

وحيث تؤكد السوابق القضائية العالمية أن حق الصورة لم يعد يُنظر إليه باعتباره حقًا شخصيًا مرتبطًا بالخصوصية فحسب، بل بات أيضًا أصلًا تجاريًا وماليًا يدخل ضمن منظومة الحقوق الحديثة، خصوصًا في البيئة الرياضية والرقمية.

ومن أبرز النماذج القضائية في هذا السياق قضية اللاعب ليونيل ميسي، التي انتهت برفض الطعون أمام محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي، بما أكد أحقية تسجيل علامته التجارية بعد نزاع قانوني امتد لسنوات.

وتعود وقائع القضية إلى طلب ميسي تسجيل علامة “MESSI” التجارية في مواجهة اعتراض من شركة إسبانية تملك علامة “MASSI” بدعوى التشابه بين العلامتين. وكانت المحكمة العامة للاتحاد الأوروبي قد أيدت حقه في التسجيل، قبل أن ترفض محكمة العدل التابعة للاتحاد الأوروبي الطعون المقدمة ضد ذلك الحكم، مؤكدة أن الشهرة العالمية لميسي تقلل احتمالات اللبس التجاري لدى الجمهور وتدعم حقه في تسجيل اسمه علامة تجارية.

وفي مثال آخر بارز، خاض أسطورة دوري كرة السلة الأمريكي مايكل جوردان نزاعًا قضائيًا شهيرًا أمام المحكمة الشعبية العليا في الصين بشأن استخدام اسمه تجاريًا. وانتهى النزاع بحكم لصالح جوردان، حيث قضت المحكمة أن استخدام الاسم المرتبط به تجاريًا يعد اعتداءً على حقه السابق في الاسم والشهرة، ويؤدي إلى تضليل الجمهور بشأن وجود علاقة بينه وبين الشركة المستخدمة للاسم، وهو ما رسخ مبدأ حماية الاسم والشهرة بوصفهما أصلين قانونيين وتجاريين جديرين بالحماية.

ومع التطور المتسارع لتقنيات الذكاء الاصطناعي، ظهرت تحديات قانونية جديدة تمس حق الصورة، خصوصًا مع إمكانية إنتاج صور ومقاطع صوتية ومرئية تحاكي شخصية اللاعب بدقة عالية من دون موافقته، فيما يعرف بتقنيات “التزييف العميق” (Deepfake). وتكمن الخطورة في استغلال هذه التقنيات داخل الإعلانات أو المحتوى الرقمي بطريقة قد تضر بسمعة اللاعب أو تستغل شهرته لتحقيق مكاسب غير مشروعة، بما يثير إشكالات تتعلق بالملكية الفكرية والخصوصية والهوية الرقمية.

وفي هذا السياق، تنصرف المسؤولية القانونية إلى من يستخدم هذه التقنيات بصورة غير مشروعة، متى ثبت استغلال صورة اللاعب أو صوته أو هويته الرقمية من دون ترخيص أو سند نظامي مشروع، خصوصًا إذا ارتبط ذلك بالتشهير أو التضليل التجاري أو تحقيق منفعة مالية غير مشروعة.

ختامًا، ومع اتساع السوق الرياضية وتنامي أدوات الاستغلال الرقمي، تزداد الحاجة إلى وعي قانوني أعمق وصياغات تعاقدية دقيقة تكفل حماية اللاعب من الاستغلال غير المشروع، وتعزز في الوقت ذاته الاستثمار المنظم لحق الصورة في بيئة رياضية وإعلامية متسارعة التطور.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock