جودة الاستثمار الأجنبي المباشر.. المعيار الحقيقي للتنمية المستدامة

الكاتب.عبد الله أبو رأس البقمي
يُعد الاستثمار الأجنبي المباشر أحد أهم محركات النمو الاقتصادي وأكثرها تأثيرًا في تعزيز التنافسية، لما يوفره من فرص لنقل المعرفة، وتوطين التقنيات الحديثة، وخلق الوظائف، ودمج الاقتصادات الوطنية في سلاسل القيمة العالمية. غير أن التجارب العملية في عدد من الأسواق لا سيما في القطاعات الاستهلاكية تبرز أهمية التمييز بين الاستثمار الذي يضيف قيمة حقيقية ومستدامة للاقتصاد الوطني، وذلك الذي يقتصر أثره على نشاط تجاري قصير الأجل محدود الجدوى.
الاستثمار المنتج مقابل الاستثمار التجاري
ينعكس الأثر الإيجابي للاستثمار الأجنبي عندما يتجه نحو الأنشطة الإنتاجية التي تسهم في بناء قاعدة اقتصادية متينة، ومن أبرز مظاهرها:
إنشاء مرافق إنتاج أو تصنيع داخل الدولة
تطوير سلاسل الإمداد المحلية وربطها بالأسواق العالمية
رفع مستوى المحتوى المحلي
خلق فرص عمل مستدامة للمواطنين
نقل المعرفة والخبرات الإدارية والتقنية
في المقابل يبرز نمط من الاستثمارات التي تركز على الاستيراد وإعادة البيع وتحقيق عوائد سريعة دون ارتباط فعلي بالاقتصاد المحلي أو مساهمة في تطوير قدراته الإنتاجية. ورغم أن هذا النوع من الاستثمارات قانوني ومسموح به إلا أن أثره الاقتصادي يظل محدودًا مقارنة بالاستثمار المنتج طويل الأجل.
أثر الاستثمار غير المنتج على المورد المحلي
من التحديات التي قد تواجه الأسواق المحلية في هذا السياق ارتفاع مستوى المخاطر التي يتحملها الموردون المحليون خصوصًا في حالات البيع الآجل أو عند حدوث تعثرات تشغيلية أو انسحاب بعض الكيانات الأجنبية من السوق. وغالبًا ما ينعكس ذلك سلبًا على استقرار سلاسل التوريد وثقة الشركاء المحليين.
المنافسة وجودة المنتجات في السوق
قد يؤدي ضعف توجيه الاستثمار الأجنبي إلى دخول منتجات منخفضة القيمة المضافة الأمر الذي يزيد من حدة المنافسة السعرية ويضغط على هوامش ربح المنتجين المحليين، ويقلل من جاذبية الاستثمار في التصنيع والتطوير. كما قد يسهم ذلك في تراجع جودة المنتجات المعروضة في السوق على المدى المتوسط.
الأثر على ميزان المدفوعات
من المفترض أن يسهم الاستثمار الأجنبي المباشر في دعم تدفقات النقد الأجنبي وتحسين ميزان المدفوعات. إلا أن التركيز على الأنشطة التجارية البحتة قد يؤدي إلى نتائج عكسية من خلال ارتفاع تحويل الأرباح إلى الخارج وزيادة فاتورة الاستيراد، بما يحد من الأثر الإيجابي المتوقع.
سمعة السوق وجاذبيته الاستثمارية
تكرار حالات التعثر أو ضعف الالتزام التجاري لبعض الاستثمارات الأجنبية قد ينعكس سلبًا على سمعة السوق، ويؤثر في ثقة المستثمرين الاستراتيجيين الذين يبحثون عن بيئات مستقرة وجاذبة للاستثمار طويل الأجل.
يبقى الاستثمار الأجنبي المباشر عنصرًا محوريًا في تحقيق التنمية الاقتصادية، إلا أن جودة الاستثمار وأثره الفعلي هما المعيار الحقيقي لنجاحه. فالتحدي لا يكمن في جذب الاستثمارات فحسب،بل في توجيهها نحو ما يعظم القيمة المضافة للاقتصاد الوطني، ويحقق توازنًا بين الانفتاح الاقتصادي وحماية المصالح الوطنية، بما يدعم النمو المستدام على المدى الطويل.



