“تاسي” يرحب بالعالم ، لماذا أصبحت السوق المالية السعودية نقطة جذب عالمية؟

في عالم الاقتصاد الذي لا يعترف إلا بلغة الأرقام الصماء، تبرز السعوديةاليوم كظاهرة تستدعي التأمل العميق، ليس فقط لحجم استثماراتها، بلللعبقرية الاستراتيجية التي تكمن خلفها. ما نشهده ليس مجرد انفتاحاقتصادي، بل هو إعادة صياغة لمفهوم الدولة الحديثة، حيث يتحول الفكرالاستراتيجي إلى أصل من أصول الثروة الوطنية.
لقد تجاوزت المملكة مرحلة الاعتماد على الموارد الطبيعية لتدخل عصر“هندسة المستقبل”. عندما تقرر دولة بحجم السعودية السماح بالتملكالأجنبي الكامل بنسبة 100% في قطاعات استراتيجية، وتطلق نظاماًجديداً للاستثمار يعالج التحديات البيروقراطية التاريخية، فإن الرسالةواضحة: نحن لا نبيع فرصاً، بل نبني شراكات في صياغة الغد. هذا التحوليتجاوز مجرد جذب رأس المال؛ إنه استيراد للمعرفة، وتوطين للابتكار، وخلقلنظام بيئي متكامل يتنفس الكفاءة.
الذكاء هنا يكمن في التفاصيل. فبدلاً من تقديم حوافز ضريبية مؤقتة،اختارت المملكة بناء بنية تحتية تنظيمية وتشريعية مستدامة تجعل منالاستثمار تجربة سلسة وجذابة على المدى الطويل. القرارات الأخيرة بإنشاءمناطق اقتصادية خاصة، لكل منها لوائحها التنافسية الخاصة، ليست مجردمحاولة لتقليد نماذج ناجحة، بل هي تطوير لها. إنها تدرك أن المستثمرالنوعي لا يبحث عن ربح سريع بقدر ما يبحث عن بيئة يمكن التنبؤ بهاوقادرة على النمو.
أما أصداء وول ستريت ولندن وهونغ كونغ، فكانت أشبه بضجيج غرفة تداوللحظة قرع جرس الافتتاح. المحللون الذين اعتادوا على نماذج تحليلية جامدةلتقييم الاقتصادات النفطية، وجدوا أنفسهم فجأة أمام متغير جديد لا يمكنقياسه بسهولة: “عامل الطموح”. في تقاريرهم، يمكنك أن تقرأ ما بينالسطور حيرة ممزوجة بالإعجاب. حتى أن ستيفن كوتلر، الخبيرالاستراتيجي المخضرم في أحد بنوك الاستثمار الكبرى، وصف في مذكرةللمستثمرين الاستراتيجية السعودية بأنها “لعبة شطرنج متعددة الأبعاد”،حيث كل خطوة لا تهدف فقط إلى كسب قطعة، بل إلى تغيير شكل الرقعةبأكملها. لقد تحولت نبرة التحليلات من التساؤل الحذر “هل سينجحون؟”إلى السباق المحموم للإجابة على “كيف يمكننا أن نكون جزءاً من هذاالنجاح؟”.
الأرقام، رغم أننا نحاول تجاوزها، تروي جزءاً من القصة. حينما قفزتتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لتصل إلى مستويات قياسية متجاوزة33 مليار دولار في سنوات قليلة، وحينما أصبحت السوق المالية السعوديةضمن أكبر عشر أسواق عالمية، فإن هذا ليس وليد صدفة. إنه نتاج قراراتجريئة ومدروسة، مثل ربط إصدار التأشيرات بوجود مقار إقليمية للشركاتالعالمية داخل المملكة. هذه الخطوة، التي قد تبدو بسيطة، هي في الواقعضربة معلم، فهي تضمن انتقال الخبرات وتخلق آلاف الوظائف النوعية،محولةً المملكة من مجرد سوق استهلاكية إلى مركز قيادة إقليمي.
إن ما يحدث هو تحول من اقتصاد يعتمد على استخراج الثروة إلى اقتصاديبتكرها. السعوديون اليوم لا يديرون ثروة، بل يديرون طموحاً. والنظرةالتفاؤلية لا تنبع من حجم المشاريع المعلنة، بل من النضج الفكري الذي يديرهذه المشاريع، وهو نضج يدرك أن القوة الحقيقية في القرن الحاديوالعشرين تكمن في القدرة على جذب العقول ورؤوس الأموال وصهرها فيرؤية وطنية مشتركة. الاقتصاد السعودي الجديد قصة تُكتب سطورها بذكاءاستراتيجي، وليس فقط بحبر النفط.
الدكتورة: آيات الشاذلي



