مقالات

من الاكتفاء إلى إدارة المخاطر: كيف تطور مفهوم الأمن الغذائي في السعودية؟

الكاتب. عبد الله أبو رأس البقمي 

لم يعد الأمن الغذائي في المملكة العربية السعودية مفهومًا مرتبطًا بحجم الإنتاج المحلي فقط، بل أصبح ملفًا استراتيجيًا متكاملًا يعكس تحولًا عميقًا في طريقة إدارة سلاسل الإمداد، وتنويع مصادر الاستيراد، وبناء منظومة أكثر مرونة واستدامة.

في اقتصاد عالمي شديد التقلب، لم يعد السؤال: هل تتوفر السلع اليوم؟ بل: هل لدينا منظومة قادرة على ضمان استمراريتها غدًا؟

نظرًا لطبيعة الموارد المائية في المملكة، فإن الاكتفاء الذاتي الكامل في بعض السلع الأساسية ليس الخيار الأكثر استدامة اقتصاديًا أو بيئيًا. لذلك اتجهت السياسات الحديثة نحو تنويع مصادر الاستيراد، وتوسيع الشراكات الزراعية الخارجية، وبناء احتياطيات استراتيجية مدروسة. هذا التحول يعكس فهمًا أكثر نضجًا لمفهوم الأمن الغذائي: إدارة مخاطر عالمية عبر أدوات اقتصادية مرنة.

تمر السلع الغذائية المستوردة عبر شبكة لوجستية معقدة تشمل الموانئ، والمناطق اللوجستية، وسلاسل التخزين المبرد، وشركات النقل والتوزيع، وصولًا إلى منافذ البيع. وقد أولت رؤية 2030 اهتمامًا كبيرًا لهذا البعد من خلال تطوير البنية التحتية للموانئ، وتعزيز مكانة المملكة كمركز لوجستي إقليمي، وتحسين كفاءة سلاسل التوريد عبر التحول الرقمي وربط الأنظمة.

السوق الغذائي السعودي يتميز بوجود موردين كبار يتمتعون بقدرات تشغيلية عالية وشبكات توزيع واسعة. هذا التركّز يحقق كفاءة واستقرارًا في الإمداد، لكنه يفرض في الوقت ذاته أهمية تعزيز المنافسة، ودعم دخول منشآت صغيرة ومتوسطة لزيادة التنوع وتقليل الاعتماد على عدد محدود من اللاعبين. التوازن بين الكفاءة والتنوع هو جوهر المرونة الاقتصادية.

من مستهدفات رؤية 2030 رفع مساهمة القطاعات غير النفطية، ومن بينها الصناعات الغذائية. لذلك شهدنا توسعًا في الاستثمارات الزراعية والتصنيعية، وإنشاء مناطق لوجستية متخصصة، وتعزيز قدرات التخزين الاستراتيجي للسلع الأساسية. الأمن الغذائي هنا لم يعد مجرد سياسة احتياط، بل جزء من منظومة تنويع الاقتصاد.

أظهرت الأزمات العالمية الأخيرة أن الدول التي تملك سلاسل إمداد متنوعة وبنية لوجستية متقدمة كانت أكثر قدرة على امتصاص الصدمات. وفي هذا السياق، تمتلك المملكة فرصة استراتيجية لتعزيز موقعها كمركز إقليمي لسلاسل الإمداد الغذائية، مستفيدة من موقعها الجغرافي، واستثماراتها في البنية التحتية، وإصلاحاتها الاقتصادية.

استقرار الرف في المتجر ليس صدفة، بل نتيجة سياسات واستثمارات وإدارة مخاطر دقيقة. لكن المحافظة على هذا الاستقرار تتطلب استمرار العمل على تنويع مصادر الاستيراد، ودعم الإنتاج المحلي الكفؤ، وتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتطوير أنظمة رصد مبكر لمخاطر الإمداد، ورفع كفاءة سلاسل التوزيع الداخلية.

فالرف الممتلئ اليوم هو انعكاس لقرارات استراتيجية اتُخذت بالأمس، والتحدي الحقيقي هو ضمان استمراريته في عالم لا يعرف الثبات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock