بروفايل | جميل عازر… مدرسة مهنية صنعت جيلاً إعلامياً

الاقتصاد.الرياض
شكّل الإعلامي الأردني الراحل جميل عازر أحد الأسماء البارزة في تاريخ الإعلام العربي الحديث، حيث امتدت مسيرته المهنية لأكثر من نصف قرن، ترك خلالها بصمة واضحة في العمل الإذاعي والتلفزيوني، وكان نموذجاً للإعلامي المهني الرصين الذي جمع بين اللغة السليمة والتحليل العميق والمصداقية العالية.
وُلد جميل عازر عام 1937 في بلدة الحصن بمحافظة إربد شمال الأردن، ونشأ في بيئة تقدّر التعليم والمعرفة، ما أسهم في تكوين شخصيته الثقافية المبكرة. ومنذ سنواته الأولى، أظهر اهتماماً لافتاً بالقراءة والشأن العام والسياسة، وهو ما وجّه مساره لاحقاً نحو العمل الإعلامي.
في منتصف ستينات القرن الماضي، التحق بالقسم العربي في هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، حيث بدأ عمله مترجماً ومعداً للبرامج، قبل أن يتدرج في المناصب التحريرية والإخراجية. وعلى مدى نحو 30 عاماً في “هنا لندن”، أصبح عازر مرجعاً لزملائه في الدقة اللغوية والالتزام المهني والتحليل السياسي المتزن، وأسهم في ترسيخ معايير صارمة للتحقق من المعلومات والاعتماد على المصادر الموثوقة.
ومع تأسيس قناة الجزيرة في الدوحة عام 1996، كان جميل عازر من المؤسسين الرئيسيين الذين شاركوا في صياغة الهوية الصحفية للقناة، ووضع الخطوط التحريرية واستراتيجيات التغطية الإخبارية. كما كان له دور محوري في تصميم عدد من البرامج التي ميّزت الجزيرة في بداياتها، واقترح الشعار الشهير «الرأي والرأي الآخر» الذي أصبح لاحقاً علامة فارقة في الإعلام العربي.
إلى جانب عمله التحريري، برز عازر كمذيع ومقدم برامج تحليلية، من أبرزها برنامج «الملف الأسبوعي»، حيث عُرف بأسلوبه الهادئ ولغته العربية الفصيحة وقدرته على إدارة النقاشات بموضوعية وعمق، ما جعله محل ثقة واحترام لدى المشاهدين.
كما لعب دوراً مهماً في تدريب وتوجيه أجيال من الإعلاميين العرب، ناقلاً إليهم خبرته الطويلة وأخلاقيات المهنة، ومؤكداً أن الإعلام مسؤولية قبل أن يكون حضوراً أو شهرة.
وخارج إطار العمل اليومي، ظل جميل عازر قارئاً نهماً ومتابعاً دقيقاً للتطورات السياسية والإعلامية العربية والدولية، حتى بعد تقاعده، حيث استمر في تقديم آرائه وتحليلاته لزملائه والمهتمين بالمجال الإعلامي.
برحيله في 3 يناير 2026 في لندن عن عمر ناهز 89 عاماً، فقدت الساحة الإعلامية العربية أحد أعمدتها المهنية، غير أن إرث جميل عازر سيبقى حاضراً في المدارس الإعلامية التي أسسها، والبرامج التي أطلقها، والأجيال التي تتلمذت على يديه، مستلهمةً منه قيم المصداقية والرصانة واحترام عقل المتلقي



