مقالات

المعادن تتصدر، صدمة في الغاز، وتصدّع في الكاكاو

أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك

يتجه مؤشر بلومبرغ للسلع للعائد الإجمالي إلى إغلاق أسبوعي قياسي جديد، بارتفاع يزيد على 4%، مسجلاً أقوى موجة صعود خلال ثلاثة أسابيع منذ نحو أربعة أعوام. وقد حقق المؤشر مكاسب قدرها 8.3% هذا الشهر و19.5% خلال الاثني عشر شهراً الماضية، في أداء يتماشى عموماً مع مؤشر إم إس سي آي العالمي الشامل، مع تفوق واضح على مؤشرات الأسهم الأميركية الرئيسية.

وبينما يظل قطاع المعادن الثمينة المحرك الأساسي لأداء السلع، مدعوماً باستمرار حالة عدم الاستقرار الاقتصادي والجيوسياسي، شهد الأسبوع الماضي أيضاً إعادة تسعير حادة لأسواق الطاقة مدفوعة بحالة الطقس. ومع اشتداد قبضة الشتاء على النصف الشمالي من الكرة الأرضية، ارتفع الطلب على الديزل وقفزت أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة بقوة. وعلى الجانب الآخر، لا تزال الزراعة تمثل نقطة الضعف، في ظل خسائر أسبوعية قادها الكاكاو، نتيجة انخفاض الطلب استجابةً لارتفاع الأسعار خلال العامين الماضيين.

المعادن الثمينة: التقاء الخوف من فوات الفرصة بالأساسيات

لا يزال الذهب والفضة في صدارة الطلب على الأصول الصلبة. فبعد أسبوع آخر من المكاسب القوية، باتت المستويات النفسية المؤثرة عند 5,000 دولار للذهب و100 دولار للفضة في متناول اليد بقوة. وقد أصبح الزخم جزءاً واضحاً من القصة، حيث يلعب الخوف من فوات الفرصة دوراً بارزاً مع ارتفاع الأسعار إلى مناطق غير مسبوقة. ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال هذا الارتفاع في كونه مضاربة بحتة.

فالمشهد الكلي الأوسع لا يزال يميل لصالح المعادن الثمينة. إذ يظل طلب البنوك المركزية قوياً، معززاً دور الذهب كأداة لتنويع الاحتياطيات في وقت تتزايد فيه هشاشة الثقة بالانضباط المالي، في ظل استمرار الاقتراض الحكومي وعدم وضوح بشأن استدامة الدين على المدى الطويل. وفي الوقت نفسه، شهد الدولار تراجعاً، ومع تزايد الشكوك الجيوسياسية، تتزايد جاذبية الأصول الملموسة، ولا سيما تلك ذات المعروض الشحيح.

تضيف الفضة بعداً آخر من التعقيد. فهي تشترك مع الذهب في جاذبيته النقدية، لكنها تحمل أيضاً انكشافاً صناعياً كبيراً، وهو دور مزدوج يمكن أن يضخم كلاً من زخم الصعود ومخاطر الهبوط. في الوقت الراهن، تظل إشارات الطلب الفعلي قوية، لا سيما في الصين، حيث تواصل أسعار العقود الآجلة المحلية التداول بعلاوة تزيد على 12 دولاراً للأونصة فوق أسعار لندن. ويشير هذا الفارق إلى شح إقليمي قوي وتهافت ملحوظ من المستخدمين النهائيين، حتى مع ارتفاع الأسعار العالمية. ومع ذلك، لا يمكن تجاهل مخاطر تراجع الطلب إذا تسارعت الأسعار كثيراً وبسرعة مفرطة، وهي ديناميكية قد تميل في نهاية المطاف إلى تفضيل عودة الدور القيادي للذهب.

 

البلاتين: أهمية القيمة النسبية

من بين المعادن الثمينة، كان البلاتين نجم الأسبوع، محققاً مكاسب تقارب 17% إلى مستويات قياسية جديدة. ويعكس جزء من هذه الحركة استمرار المعنويات الإيجابية تجاه المعادن ذات المعروض المقيد عموماً، غير أن القيمة النسبية لعبت دوراً واضحاً. فقد أمضى البلاتين معظم العقد الماضي متداولاً عند مستويات منخفضة تاريخياً مقارنة بالذهب، رغم ندرته وأهميته الصناعية الحيوية.

وتلخص نسبة البلاتين إلى الذهب القصة بوضوح. ففي مرحلة ما من العام الماضي، كان بإمكان أونصة واحدة من الذهب شراء نحو 3.5 أونصات من البلاتين. وقد تقلصت هذه النسبة الآن إلى نحو 1.82، وهي لا تزال أعلى بكثير من أدنى مستوى لها في الدورة الأخيرة قرب 1.4 المسجل في عام 2022، لكنها تمثل تعديلاً جوهرياً. وبهذا المعنى، لا «يتحول» البلاتين إلى ذهب؛ بل إن رخص ثمنه النسبي إلى جانب توقعات محدودية العرض، يواصل دعم الأسعار. ومع ذلك، ينبغي على المستثمرين مراعاة سيولة البلاتين الضحلة نسبياً، مما يجعل السوق عرضة لتصحيحات حادة وربما عميقة. وسيعتمد استمرار هذا التعافي في نهاية المطاف على التوازن بين التدفقات الاستثمارية مع الطلب الصناعي، الذي قد يتعرض لضغوط عند مستويات الأسعار المرتفعة.

 

النفط الخام: العوامل الجيوسياسة في مواجهة الفائض

حافظ النفط الخام على تداوله قرب الحد العلوي لنطاق يناير البالغ 60–67 دولاراً، مدعوماً بإشارات الطلب المرتبطة بالشتاء وعلاوة مخاطر جيوسياسية مستمرة. وتذبذبت التوترات خلال الأسبوع، مع تصعيد قصير للمواجهة بين الولايات المتحدة وأوروبا بشأن ملكية الولايات المتحدة لغرينلاند، قبل أن تهدأ عقب تراجع الرئيس دونالد ترامب بعد اجتماعات دافوس، بما في ذلك مناقشات مع رئيس حلف شمال الأطلسي. وفي أماكن أخرى، لا يزال خطر تدخل أميركي يتعلق بإيران مرتفعاً، ما يساعد على دعم الأسعار في ظل احتمال حدوث اضطراب مفاجئ وملموس في الإمدادات.

في المقابل، يظل الثقل الهيكلي المضاد قائماً بقوة. إذ تواصل وكالة الطاقة الدولية التحذير من مخاطر نشوء فائض كبير في المعروض خلال عام 2026 وما بعده، مدفوعاً بارتفاع إنتاج الدول من خارج أوبك+، ولا يُعوَّض ذلك إلا جزئياً بنمو الطلب الذي، رغم بقائه قوياً، من المتوقع أن يتباطأ. وفي الوقت الراهن، يمكن للجيوسياسة والطقس إبقاء النفط مدعوماً، إلا أن السردية متوسطة الأجل لا تزال تشير إلى وفرة المعروض. وتساعد هذه القوى المتعارضة على تفسير صعوبة اختراق الأسعار صعوداً أو هبوطاً بشكل حاسم.

المعادن الصناعية: تباطؤ هامشي للنحاس

تداول النحاس بشكل شبه مستقر خلال الأسبوع، مع تماسك عقد كوميكس للنحاس عالي الجودة دون 6 دولارات للرطل بعد بلوغه مؤخراً مستويات قياسية أعلى من ذلك، حيث عوّض الطلب الاستثماري بوادر مبكرة على ضعف الاستهلاك الصناعي عند هذه المستويات السعرية القريبة من القياسية. ومع ذلك، أرسلت منحنيات العقود الآجلة إشارة دقيقة لكنها مهمة، إذ انتقلت فروق الشهر الأمامي في بورصة لندن للمعادن من حالة العجز إلى حالة فائض الأجل (كونتانغو)، ما يشير إلى انحسار الضيق قصير الأجل.

ويتسق هذا التحول مع تطورات المخزونات. فقد ارتفعت المخزونات الخاضعة للرقابة في البورصات بثبات خلال الأشهر الماضية، وتجاوزت الآن ذروة عام 2018 التي فاقت 900 ألف طن، مع تسجيل زيادات عبر البورصات الثلاث الكبرى في لندن وشنغهاي ونيويورك. ونتيجة لذلك، وبينما يظل أفق الطلب المتوسط إلى الطويل الأجل بنّاءً في ظل القيود الهيكلية على المعروض، فإن أي مكاسب سعرية إضافية قبيل وخلال عطلة رأس السنة القمرية الصينية، التي تبدأ في 17 فبراير، يُرجَّح أن تعتمد بشكل متزايد على المشاركة المضاربية، مع تراجع المستهلكين الصناعيين عند مستويات الأسعار المرتفعة.

 

تصاعد التوترات الجيوسياسية وتركيز على محور السيولة اليابانية

مرة أخرى، شهدت الأسواق المالية أسبوعاً من التوترات الجيوسياسية المتصاعدة، وهذه المرة بين الولايات المتحدة وأوروبا على خلفية اهتمام الرئيس دونالد ترامب بالاستحواذ على غرينلاند، مما أدى إلى تقلبات في الأسهم ورفع الطلب على أصول الملاذ الآمن التقليدية. وفي الوقت ذاته، أرسل الارتفاع المتواصل في عوائد السندات الحكومية اليابانية طويلة الأجل تحذيراً هيكلياً أعمق: إحدى أكثر دعامات السيولة موثوقية على مستوى العالم خلال العقود الماضية بدأت بالتلاشي، بتداعيات تتجاوز طوكيو بكثير.

فعلى مدى عقود، شكّلت العوائد اليابانية شديدة الانخفاض مرساة سيولة عالمية، شجعت تدفقات رأس المال إلى الخارج بحثاً عن عوائد مجزية، ودعمت شهية المخاطر عبر أسواق السندات والأسهم والائتمان عالمياً. إلا أن هذه المرساة تشهد الآن تحوّلاً. فقد خضع سوق السندات اليابانية لإعادة تسعير حادة، مع ارتفاع عوائد سندات الحكومة اليابانية لأجلَي 10 و30 عاماً إلى مستويات مرتفعة وفق المعايير الحديثة، ما يتحدى افتراضات راسخة حول السيولة العالمية والاستقرار المالي

 

قفزة الغاز الطبيعي مع صدمة الشتاء

إذا كانت المعادن الثمينة تمثل التغيرات الهيكلية طويلة الأمد، فإن الطاقة قدمت صدمة الأسبوع الحادة. فقد قفزت أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة مع توقعات باجتياح أكبر عاصفة شتوية هذا الموسم المناطق الوسطى والشرقية من البلاد. وحتى بعد التراجع إلى ما دون 5 دولارات، لا يزال عقد الشهر الأمامي للغاز الطبيعي في طريقه لتحقيق مكاسب أسبوعية تتجاوز 60%، في تذكير بمدى عنف إعادة تسعير مخاطر الطقس عندما توافر الظروف المناسبة.

وتتسم الديناميكيات بازدواجية واضحة. فمن جانب الطلب، رفعت موجات البرد القياسية احتياجات التدفئة بشكل حاد عبر مناطق كثيفة السكان. ومن جانب المعروض، يواجه الإنتاج في الولايات الجنوبية مخاطر «تجمّد الآبار»، حيث يتجمد الماء داخل خطوط الأنابيب ويعطل التدفقات في الوقت الذي تقفز فيه مستويات الاستهلاك. وقد ترك هذا المزيج السوق شديدة الحساسية لأي تحديث طقسي إضافي.

واللافت أن القصة ليست محلية بحتة. فارتفاع الأسعار في الولايات المتحدة بات مرتبطاً بشكل متزايد بالظروف في أوروبا وآسيا عبر تدفقات الغاز الطبيعي المسال. إذ يؤدي التنافس على شحنات الغاز الطبيعي المسال إلى تشديد التوازن العالمي عندما تضرب موجات البرد عدة مناطق في آن واحد، وهو ما شهده هذا الشتاء بالفعل. واستجابت الأسعار المرجعية الأوروبية تبعاً لذلك، إذ قفز عقد تي تي إف بنسبة 36% هذا الشهر مع تسجيل السحوبات من المخزونات داخل المنطقة أسرع وتيرة منذ خمس سنوات.

وفي الوقت نفسه، أكدت نواتج التقطير بهدوء الموضوع الأوسع للطاقة. فمع هبوط درجات الحرارة، يرتفع الطلب على الديزل ووقود التدفئة، ليس فقط للنقل والتدفئة، بل أيضاً لتشغيل مولدات احتياطية لدعم شبكات الكهرباء المجهدة. وقد تجلّى ذلك في عقود غازويل لندن، وكذلك، وبشكل خاص، عقود ديزل الكبريت المنخفض جداً في نيويورك يو إل إس دي، ما دعم هوامش التكرير وأسعار النفط الخام.

الزراعة: الحبوب مستقرة والكاكاو يتراجع

في قطاع الزراعة، قدمت الحبوب أداءً متبايناً لكنه مستقر نسبياً. فقد تذبذبت فول الصويا مع إعادة تقييم المتعاملين لإشارات الطلب الصيني، بينما حافظ القمح على تداوله فوق مستوى الدعم الفني الرئيس قرب 5 دولارات للبوشل. وأسهم ضعف الدولار في توفير بعض الدعم، كما قدمت المخاوف الطقسية المستمرة في أجزاء من الولايات المتحدة والأرجنتين خلفية داعمة.

أما السلع اللينة فحكت قصة مختلفة تماماً. إذ هبط الكاكاو إلى أدنى مستوى جديد في عامين، مواصلاً مسار تراجع يعكس على نحو متزايد تدمير الطلب أكثر من تحسن المعروض. فبعد سنوات من الأسعار المرتفعة، بدأ المستهلكون في مقاومة منتجات الشوكولاتة الباهظة، وتتكيف الشركات المصنعة تبعاً لذلك.

وأصبحت الأدلة المؤسسية الآن صعبة التجاهل. فقد أعلنت باري كاليبو إيه جي، أكبر مُصنّع للشوكولاتة في العالم، عن انخفاض بنسبة 22% في حجم مبيعات قسم الكاكاو، مشيرة إلى «ضعف الطلب في السوق» وتحول استراتيجي نحو قطاعات ذات عائد أعلى. ولا يزال المنتجون يعملون على تصريف مخزونات من الحبوب جرى شراؤها عند أسعار أعلى بكثير، ما يفاقم الضغوط.

الصورة المتكاملة

يبرز أداء هذا الأسبوع عبر أسواق السلع مدى تنوع هذه الفئة الاستثمارية. فالأصول الصلبة تزدهر مع سعي المستثمرين إلى التحوط من عدم اليقين المالي وضعف العملات والضجيج الجيوسياسي. وفي الوقت ذاته، وجّه الطقس القاسي صدمة حادة وملموسة إلى أسواق الطاقة، مذكّراً المشاركين بأن القيود المادية لا تزال ذات أهمية عميقة في عالم مالي. وعلى الجانب الآخر، تكافح السلع اللينة الوجه المقابل للمعادلة – ماذا يحدث عندما تبدأ الأسعار المرتفعة أخيراً في تآكل الطلب.

وبالنسبة للمستثمرين والمتداولين، فإن الخلاصة الأساسية ليست ملاحقة الصعود على نحو عشوائي، بل البقاء مركزين على المحركات الأساسية مع إدراك الدور الذي يمكن أن تلعبه السلع ضمن محفظة متعددة الأصول ومتنوعة. ففي المعادن، تظل القيمة النسبية والضيق الفعلي في المعروض مهمين إلى جانب الزخم. وفي الطاقة، قد تكون علاوات الطقس قوية لكنها عابرة، ما يستدعي انضباطاً في التعامل مع هيكل المنحنى والتوقيت. وفي الزراعة، تعاود مرونة الطلب الظهور بعد سنوات من السرديات المدفوعة بالمعروض.

وفي ضوء هذه الخلفية، نُبقي على نظرتنا الإيجابية الراسخة تجاه السلع بوصفها مكوّناً استراتيجياً في المحافظ الاستثمارية، لما توفره من تنويع وحماية في بيئة تتسم بعدم اليقين المالي والمخاطر الجيوسياسية وصدمات جانب العرض. ومع ذلك، ومع تحقيق مؤشر بلومبرغ للسلع عائداً قوياً خلال فترة قصيرة، ينبغي توقع فترات من التماسك، قد تتيح في نهاية المطاف نقاط دخول أكثر جاذبية للمستثمرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
WP2Social Auto Publish Powered By : XYZScripts.com
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock