في يوم الصحة النفسية.. مختصون لـ”الاقتصاد ” : التوازن بين التعليم والترفيه وتنظيم الوقت ركائز أساسية للنمو السليم

جدة/ ياسر خليل
بمناسبة اليوم العالمي للصحة النفسية، الذي يوافق اليوم السبت العاشر من أكتوبر، تتجدد الدعوات إلى الاهتمام بالصحة النفسية للأطفال، باعتبارها ركيزة أساسية لنموهم المتكامل، وقدرتهم على التعلم والتواصل وبناء العلاقات الاجتماعية ، فسلامة الطفل النفسية لا تتحقق فقط بتوفير الرعاية الصحية والتعليمية، بل تحتاج أيضاً إلى بيئة أسرية مستقرة، ونوم كافٍ، وغذاء صحي، ووقت مخصص للعب والترفيه، إلى جانب تنظيم استخدام الأجهزة الإلكترونية والحد من الضغوط اليومية.
وفي هذا السياق، شدد مختصون على أهمية تبني نمط حياة متوازن يساعد الأطفال على تنمية مهاراتهم النفسية والاجتماعية، ويعزز قدرتهم على التعامل مع التحديات، محذرين من أن الإفراط في استخدام التقنيات واختلال الروتين اليومي قد يؤثران سلباً في صحتهم الجسدية والنفسية.
بداية أكد أستاذ واستشاري غدد الصماء وسكري الأطفال بمستشفى جامعة الملك عبدالعزيز بجدة البروفيسور عبدالمعين عيد الأغا، أن التمتع بصحة نفسية جيدة لدى الأطفال يبدأ من العادات اليومية التي يعيشونها داخل المنزل وخارجه، مشيراً إلى أن النوم الجيد والتغذية المتوازنة والنشاط البدني والحد من استخدام الأجهزة الإلكترونية تمثل عناصر مهمة لدعم نموهم النفسي والعقلي.
وأوضح أن النوم الكافي يساعد الطفل على تحسين التركيز والذاكرة وتنظيم المشاعر، ويمنحه القدرة على التفاعل بصورة أفضل مع المحيطين به، فيما قد يؤدي اضطراب النوم إلى زيادة العصبية وصعوبة الانتباه والتأثر بالمواقف اليومية ، مشدداً على أهمية الالتزام بمواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ، وتهيئة أجواء هادئة تساعد الطفل على الاسترخاء، مع إبعاد الهواتف والأجهزة اللوحية قبل موعد النوم.
وأضاف أن الغذاء الصحي لا يقل أهمية عن النوم، إذ يحتاج الأطفال إلى وجبات متوازنة تشمل الخضراوات والفواكه ومصادر البروتين، مع الحد من الإفراط في الأطعمة الغنية بالسكريات والدهون والمنتجات فائقة المعالجة ، فالعادات الغذائية السليمة تسهم في دعم النمو الجسدي ووظائف الدماغ، وتساعد على استقرار مستويات الطاقة خلال اليوم.
ودعا الأسر إلى تقليل الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات، وتشجيعهم على ممارسة الرياضة واللعب والتفاعل المباشر مع أفراد الأسرة والأصدقاء، مؤكداً أن القدوة الأسرية والحوار المستمر يساعدان على ترسيخ هذه العادات دون اللجوء إلى المنع والعقاب بصورة دائمة.
من جانبه، أوضح استشاري الطب النفسي الدكتور محمد إعجاز براشا ، أن حماية الصحة النفسية للأطفال تتطلب توفير بيئة آمنة ومستقرة، والحد من مصادر التوتر التي قد يتعرضون لها في المنزل أو المدرسة أو محيطهم الاجتماعي، لافتاً إلى أن الأطفال قد لا يمتلكون دائماً القدرة على التعبير عن مخاوفهم بالكلمات، لكن ذلك قد يظهر في صورة تغيرات سلوكية أو اضطرابات في النوم أو تراجع في التحصيل الدراسي.
وأشار إلى أن الخلافات الأسرية المتكررة، والانتقادات القاسية، والمقارنة المستمرة بين الأطفال، والضغط المبالغ فيه لتحقيق نتائج دراسية مرتفعة، قد تزيد من مشاعر القلق وتؤثر في ثقة الطفل بنفسه ، لذلك من المهم الاستماع إليه باهتمام، واحترام مشاعره، ومنحه مساحة للتعبير عن مخاوفه دون التقليل منها أو السخرية منها.
وأكد أن تحقيق التوازن بين التعليم والترفيه ضرورة تربوية ونفسية، وليس ترفاً يمكن الاستغناء عنه، فالطفل يحتاج إلى وقت للمذاكرة، وآخر للعب والراحة وممارسة الهوايات ، كما أن الأنشطة الترفيهية المناسبة لعمره تساعده على تفريغ التوتر وتنمية مهارات التواصل والعمل الجماعي.
وشدد على أهمية التعاون بين الأسرة والمدرسة لرصد أي تغيرات نفسية أو سلوكية مبكرة، والاستعانة بالمختصين عند استمرار الأعراض أو تأثيرها في حياة الطفل اليومية.
بدوره، حذر استشاري طب الأطفال الدكتور نصرالدين محمود الشريف، من الإفراط في استخدام الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية والألعاب الإلكترونية، موضحاً أن الاستخدام غير المنظم قد يزاحم أنشطة ضرورية لنمو الطفل، مثل النوم والحركة واللعب الواقعي والتفاعل الاجتماعي.
وأضاف أن الجلوس لفترات طويلة أمام الشاشات قد يرتبط بالخمول وقلة النشاط البدني وآلام الرقبة والظهر وإجهاد العين، كما أن استخدام الأجهزة ليلاً قد يؤخر النوم ويؤثر في جودته ، وقد تتفاقم المشكلة عندما تصبح الألعاب أو المنصات الرقمية الوسيلة الوحيدة للترفيه أو التعامل مع الملل والانفعالات.
وأكد أن الحل لا يتمثل بالضرورة في حرمان الطفل من التقنية، بل في تنظيم استخدامها وفق عمره واحتياجاته، واختيار المحتوى المناسب، وتحديد أوقات واضحة للشاشات، مع تخصيص فترات منتظمة للحركة واللعب والأنشطة الأسرية ، كما نصح بتجنب استخدام الأجهزة أثناء الوجبات وقبل النوم، ومتابعة المحتوى الذي يتعرض له الطفل، وحمايته من التنمر الإلكتروني والمشاهد غير المناسبة.
من جهتها ، أكدت الاخصائية الاجتماعية مروج محمد شاهيني ، أن تنظيم الوقت يمثل مهارة أساسية تساعد الأطفال على تحقيق التوازن بين التحصيل العلمي والراحة والترفيه، مشيرة إلى أن الجدول اليومي الواضح يخفف الشعور بالفوضى، ويمنح الطفل إحساساً بالاستقرار والقدرة على إنجاز مسؤولياته دون ضغوط متراكمة.
وأوضحت أن مساعدة الطفل على ترتيب أولوياته، وتقسيم الواجبات المدرسية إلى مهام صغيرة، وتحديد فترات للراحة، تسهم في تحسين التركيز والحد من التسويف ، وفي المقابل فإن إهدار الوقت في الاستخدام المطول للأجهزة أو التنقل المستمر بين الألعاب والمقاطع الرقمية قد يقلل الوقت المتاح للنوم والدراسة والأنشطة المفيدة.
وشددت على أهمية ألا يتحول تنظيم الوقت إلى جدول صارم يخلو من المرونة، فالطفل يحتاج إلى مساحة للاختيار واللعب واكتشاف اهتماماته، كما ينبغي مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال في قدراتهم واحتياجاتهم ، ودعت الأسر إلى إشراك أبنائها في إعداد جدولهم اليومي، وتعزيز السلوك الإيجابي بالتشجيع بدلاً من العقاب المستمر.
واختتمت حديثها بالتأكيد على أن الصحة النفسية للأطفال مسؤولية مشتركة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمجتمع، وأن بناء طفل متوازن نفسياً يتطلب الإصغاء إليه، وتوفير بيئة آمنة، وترسيخ العادات الصحية، وتحقيق التوازن بين التعلم والراحة والترفيه ، كما أن طلب المساعدة من المختصين عند ظهور مؤشرات مستمرة للقلق أو الحزن أو التغير السلوكي ليس مدعاة للقلق أو الوصمة، بل خطوة مهمة لحماية الطفل ومساندته في الوقت المناسب.



