ترامب وتهديد رسوم غرينلاند يعيد الأصول الصلبة إلى المشهد

أولي هانسن، رئيس استراتيجية السلع في ساكسو بنك
قفز كل من الذهب والفضة، اللذين تعرضا لضغوط ناجمة عن جني الأرباح في نهاية الأسبوع الماضي، إلى مستويات قياسية جديدة مع عودة التوترات الجيوسياسية إلى الواجهة. فقد أدى سعي الرئيس دونالد ترامب للسيطرة على غرينلاند إلى توسيع خط الصدع الجيوسياسي بين الولايات المتحدة وأوروبا، وأدخل مخاطر فرض رسوم جمركية وإجراءات انتقامية. وإلى جانب المخاطر المستمرة المرتبطة بإيران، والمخاوف بشأن استقلالية مجلس الاحتياطي الفدرالي، وتزايد قلق المستثمرين تجاه الدولار وسندات الحكومة الأمريكية في ظل تصاعد الدين المالي، يبقى الطلب الأساسي على الأصول الصلبة قوياً.
ومن المهم الإشارة إلى أن موجة الصعود في المعادن النفيسة لم تبدأ مع هذا الخلاف، ومن غير المرجح أن تنتهي معه. فحادثة غرينلاند لم تكن سوى وقود إضافي لموجة ارتفاع تتشكل منذ أشهر، مدفوعة بخلفية اقتصادية كلية وجيوسياسية أصبحت أكثر إزعاجاً للمستثمرين الذين يعتمدون حصرياً على الأصول المالية.
الجيوسياسة كمحفز لا كسبب جذري
نادراً ما غابت المخاطر الجيوسياسية خلال السنوات الأخيرة. فقد أصبحت النزاعات المستمرة، والعقوبات، والتوترات التجارية سمة شبه دائمة في مشهد الاستثمار. إلا أن ما يبدو مختلفاً اليوم هو مدى تداخل هذه المخاطر مع تساؤلات متزايدة حول الحوكمة الاقتصادية ومصداقية المؤسسات، لا سيما في الولايات المتحدة.
تكمن أهمية ملف غرينلاند أقل في أثره الاقتصادي المباشر، وأكثر في الدلالات التي يحملها. فعندما تتحول الأصول والمناطق الاستراتيجية إلى أوراق تفاوض بين حلفاء قدامى، فإن ذلك يعزز الانطباع بعالم أكثر تشظياً وأقل قابلية للتنبؤ. وفي مثل هذه البيئة، تكتسب الأصول التي لا تمثل التزاماً على أي طرف ولا تعتمد على وعود حكومية بالسداد جاذبية متزايدة بطبيعتها.
ويأتي الذهب في مقدمة المستفيدين من هذا المنطق. فهو لا يحمل مخاطر ائتمانية، ولا جهة مُصدِرة، ويتمتع بتاريخ طويل كحافظة للقيمة في فترات عدم اليقين السياسي والنقدي. وخلال الأشهر الأخيرة، امتد الطلب إلى الفضة، الشقيقة الأكثر تقلباً وحساسية للذهب، مدعوماً بتوقعات شح المعروض وبكونها – حتى وقت قريب – أقل سعراً نسبياً مقارنة بالذهب.
عندما تفشل الملاذات الآمنة في أداء دورها
من أكثر الجوانب لفتاً للانتباه في التحركات الحالية هو ما لم ينجح كملاذ آمن. فقد أظهرت كل من الدولار الأمريكي، والين الياباني، وسندات الخزانة الأمريكية علامات ضعف في وقت كان من المفترض أن تدعمها فيه المخاطر الجيوسياسية.
وقبيل عطلة يوم مارتن لوثر كينغ في الولايات المتحدة، ارتفعت عوائد سندات الخزانة طويلة الأجل بدلاً من تراجعها، مدفوعة بحالة عدم اليقين بشأن استدامة الأوضاع المالية والاتجاه المستقبلي للسياسة النقدية. وأصبحت الأسواق أكثر حساسية للعناوين المتعلقة باستقلالية مجلس الاحتياطي الفدرالي وإمكانية تأثير السياسة على قراراته، خصوصاً مع تزايد الاهتمام بخلافة الرئيس الحالي للمجلس.
وتكمن أهمية ذلك في أن سندات الخزانة لا تؤدي دور التحوط إلا إذا كان المستثمرون واثقين من بقاء التضخم تحت السيطرة واستجابة السياسة النقدية بشكل متوقع للصدمات. وعندما تتآكل هذه الثقة، تفقد السندات جزءاً من جاذبيتها الدفاعية. وينطبق المنطق ذاته على الدولار، إذ تثير العجوزات المستمرة وارتفاع عبء الدين تساؤلات حول المدة التي سيواصل فيها المستثمرون العالميون استيعاب الإصدارات الجديدة دون المطالبة بعلاوة مخاطر أعلى.
لماذا يشتري العالم المعادن؟
ينبع الإقبال العالمي على الذهب والفضة وغيرها من الأصول الحقيقية مثل البلاتين والنحاس من هذا القلق الكلي الأوسع. فضعف الدولار وتوقعات خفض أسعار الفائدة مستقبلاً من قبل مجلس الاحتياطي الفدرالي هما المحركان الأكثر وضوحاً، لكنهما ليسا الأهم.
لقد تعززت هذه الدورة بعامل أعمق يتمثل في تزايد القلق حيال الانضباط المالي، والمصداقية النقدية، والاستقرار المالي. إذ بات المستثمرون يتساءلون علناً عن مدى قدرة الحكومات، ولا سيما الولايات المتحدة نظراً لدورها المحوري في النظام المالي العالمي، على تمويل ديون متضخمة وعجوزات مزمنة دون تبعات.
وعندما تتصاعد هذه الشكوك، يتغير بناء المحافظ الاستثمارية. فيسعى المستثمرون إلى تقليص الاعتماد على الأصول التي تمثل التزاماً على أطراف أخرى، وزيادة التعرض للأصول التي لا تحمل مثل هذا الالتزام. ويستفيد الذهب أولاً، لكنه نادراً ما يتحرك بمفرده لفترة طويلة. إذ تلحق به الفضة والبلاتين مع إعادة تقييم القيم النسبية والتنويع داخل فئة الأصول الصلبة.
أما قوة النحاس، ورغم ارتباطها أكثر بعوامل هيكلية مثل التحول الكهربائي والاستثمار في شبكات الطاقة، فإنها تندرج أيضاً ضمن هذه السردية، باعتباره معدن نمو وتحوطاً في آن واحد ضد نقص الاستثمار في الأصول الحقيقية، ما يبرز تلاشي الحدود بين الطلب الدوري والدفاعي.
الفضة بطبيعتها المزدوجة: فرصة ومخاطرة
تقف الفضة في قلب هذا الجدل، لكونها معدناً نقدياً وصناعياً في آن واحد. فهي تستفيد من الطلب القائم على المخاوف الذي يدعم الذهب، وفي الوقت ذاته ترتبط بموضوعات نمو طويلة الأجل مثل الطاقة الشمسية، والإلكترونيات، والتحول الكهربائي.
وهذه الطبيعة المزدوجة هي ما يجعل الفضة شديدة الانفجار عندما تتوافق الظروف، لكنها أيضاً ما يحد في النهاية من مدى وسرعة ارتفاعها. فكل موجة صعود للفضة تصطدم في نهاية المطاف بتراجع الطلب الصناعي. إذ عند مستوى سعري معين، يعجز المصنعون والمستخدمون النهائيون عن استيعاب ارتفاع تكاليف المدخلات، فيسعون إلى تمريرها، أو تقليص المشتريات، أو البحث عن بدائل.
وعند أسعار تقارب 90 دولاراً للأونصة، من المرجح أن تكون هذه العملية قد بدأت بالفعل في بعض حلقات سلسلة التوريد. إلا أنها لا تحدث بين ليلة وضحاها، ونادراً ما تنعكس فوراً في بيانات الطلب الرئيسية.
ومن أوجه التباين اللافتة حالياً أنه رغم القفزة السعرية، سجلت صناديق المؤشرات المتداولة للفضة المدرجة في الأسواق الغربية صافي تدفقات خارجة. ويشير ذلك إلى أن جزءاً كبيراً من الطلب الحالي يأتي من مناطق أخرى، ولا سيما آسيا وبخاصة الصين، أو من مستثمرين ماليين أكثر اعتماداً على الرافعة المالية بدلاً من المستثمرين الغربيين طويلَي الأجل. ولا يبطل ذلك مسار الصعود، لكنه يغيّر طبيعته وملف مخاطره.
رخص الذهب النسبي مقابل الفضة في دائرة الضوء
بدلاً من محاولة تحديد قمة دقيقة لسعر الفضة، قد يكون النهج الأكثر متانة هو التفكير من منظور القيمة النسبية وتوازن المخاطر. إذ يتداول معدل الذهب إلى الفضة حالياً قرب أدنى مستوياته في 14 عاماً عند نحو 50، وهو أقل بكثير من المتوسط طويل الأجل البالغ قرابة 70، ما يسلط الضوء على أن الفضة قد قطعت بالفعل شوطاً كبيراً في الصعود.
وعملياً، لا تعني هذه الرسالة التخلي عن الفضة، بل الانتباه إلى تزايد تعرضها لمخاطر الطلب الصناعي عند المستويات السعرية المرتفعة. أما الذهب، فيظل تعبيراً أنقى عن المخاوف النقدية وقضايا المصداقية، مع حساسية أقل لسلوك المستخدمين النهائيين.
وفي عالم تتصاعد فيه الاحتكاكات الجيوسياسية، وتبدو فيه المسارات المالية أكثر تمدداً، وتتصرف فيه أدوات الملاذ الآمن التقليدية بشكل غير متسق، تواصل الأصول الصلبة ترسيخ مكانتها في المحافظ الاستثمارية. والتحدي الآن لم يعد في ما إذا كان ينبغي الاحتفاظ بها، بل في كيفية موازنة التعرض بين معادن تتقارب دوافعها وأخرى قد تلوح حدودها القصوى في الأفق.
وكما ذكّر نزاع غرينلاند الأسواق، لا تزال الجيوسياسة قادرة على تحريك الأسعار بسرعة. غير أن السبب الجوهري وراء إقبال العالم على المعادن أعمق من أي عنوان واحد؛ إذ يعكس إعادة تقييم تدريجية ولكن عميقة لمفهوم الأمان الحقيقي في نظام عالمي يزداد غموضاً وعدم يقين.



