المنافسة تشتعل في الخدمات الأرضية بالمطارات السعودية.. «ناس» ينقل بوصلته من «SGS» إلى «سويسبورت»

الاقتصاد.الرياض
يشهد قطاع الخدمات الأرضية في المطارات السعودية مرحلة جديدة من المنافسة، مع اتساع قاعدة الشركات العاملة في السوق ودخول شركات عالمية إلى القطاع، بالتزامن مع توجه المملكة نحو تحرير الخدمات ورفع كفاءة التشغيل وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، في وقت يشهد فيه قطاع الطيران السعودي نمواً متسارعاً في أعداد المسافرين والرحلات وشركات الطيران.
وتأتي خطوة طيران ناس الأخيرة لتشكل أحد أبرز التطورات في هذا السوق، بعدما قرر الناقل الجوي إنهاء تعاقده مع الشركة السعودية للخدمات الأرضية «SGS» والانتقال إلى شركة «سويسبورت» لتقديم خدمات المناولة الأرضية، في اتفاق يمتد لخمس سنوات ويغطي المطارات التجارية في السعودية، على أن يبدأ العمل بالعقد الجديد في مارس 2027.
ولم يقتصر القرار على تغيير مزود الخدمة، إذ اتخذ طيران ناس خطوة أكثر عمقاً عبر الاستحواذ على حصة تبلغ 10% من «سويسبورت السعودية» مقابل نحو 50 مليون ريال، مع وجود خيار لرفع الحصة إلى 20% عند تجديد عقد الخدمات، في نموذج يعكس تحول العلاقة بين شركات الطيران ومقدمي الخدمات الأرضية من علاقة تعاقدية بحتة إلى شراكات استراتيجية واستثمارية.
ويأتي انتقال طيران ناس في وقت كانت فيه «SGS» ترتبط مع الناقل بعقد مناولة أرضية لمدة خمس سنوات، أُعلن عنه في 2024 بقيمة متوقعة تقارب ملياري ريال، إلا أن العقد تضمن حق الإنهاء وفق شروط محددة، وهو ما استخدمه طيران ناس لإنهاء العلاقة التعاقدية، على أن تستمر «SGS» في تقديم الخدمات خلال فترة الإشعار وحتى مارس 2027.
وتُعد «SGS» من أكبر شركات الخدمات الأرضية في المملكة، وتمتلك حضوراً واسعاً في المطارات السعودية، كما ترتبط بعقود مع عدد من شركات الطيران والمطارات، ما يجعل قرار طيران ناس مهماً من زاوية المنافسة، لكنه في الوقت ذاته لا يعني خروج «SGS» من السوق، خصوصاً مع استمرارها في الحصول على عقود جديدة، من بينها خدمات المناولة في مطار البحر الأحمر الدولي، إضافة إلى ارتباطها بخدمات شركات طيران أخرى.
في المقابل، تمكنت «سويسبورت» خلال السنوات الماضية من بناء حضور متنامٍ في السوق السعودية، حيث توسعت عملياتها من عدد محدود من المطارات إلى شبكة أوسع، وتخدم عدداً متزايداً من شركات الطيران والرحلات، قبل أن تمنحها صفقة طيران ناس دفعة قوية لترسيخ موقعها كأحد أبرز المنافسين في السوق.
وتكتسب الصفقة أهمية أكبر بالنظر إلى حجم عمليات طيران ناس وتوسعاته المستمرة، إذ إن انتقال عمليات المناولة الخاصة بالناقل إلى «سويسبورت» سيمنح الأخيرة قاعدة تشغيلية ضخمة في المطارات السعودية، كما سيعزز قدرتها على الاستثمار في المعدات والتقنيات والكوادر البشرية وتطوير مستويات الخدمة.
ولا تقتصر المنافسة في السوق على «SGS» و«سويسبورت»، إذ يمثل قطاع الخدمات الأرضية مساحة أوسع تضم شركات تعمل في مجالات مختلفة من المناولة، من بينها «سال» التي تتمتع بمكانة رئيسية في مناولة الشحن الجوي والخدمات اللوجستية، إلى جانب حصولها على تراخيص لتقديم خدمات أرضية للمسافرين في عدد من المطارات، فيما يبقى السوق مفتوحاً أمام دخول شركات جديدة وفق الأطر التنظيمية التي تضعها الهيئة العامة للطيران المدني.
ويعكس هذا التطور تحولاً في طبيعة سوق الخدمات الأرضية السعودية، بعدما كان الاعتماد تاريخياً يتركز بدرجة كبيرة على عدد محدود من مقدمي الخدمة، بينما تتجه السوق تدريجياً إلى نموذج أكثر تنافسية، تستطيع فيه شركات الطيران المفاضلة بين مقدمي الخدمات وفق معايير تتجاوز السعر لتشمل جودة التشغيل، وسرعة المناولة، والتعامل مع الأمتعة، والالتزام بمواعيد الرحلات، ومستويات السلامة، والقدرة على توفير حلول تقنية متقدمة.
وتتزايد أهمية هذا التحول مع المستهدفات الطموحة لقطاع الطيران السعودي، الذي يستعد لمعدلات نمو كبيرة في أعداد المسافرين والرحلات والطائرات، إلى جانب التوسع في شبكة الوجهات وظهور ناقلات جديدة، وفي مقدمتها طيران الرياض، فضلاً عن توسعات الناقلات القائمة والمطارات والمشروعات السياحية الكبرى.
ومن المتوقع أن تشتد المنافسة خلال السنوات المقبلة على العقود طويلة الأجل، خصوصاً مع حاجة شركات الخدمات الأرضية إلى استثمارات ضخمة في المعدات والمركبات والتقنيات والتدريب، فيما ستبحث شركات الطيران عن مقدمي خدمات قادرين على مواكبة نمو عملياتها دون التأثير في تجربة المسافر أو كفاءة التشغيل.
كما يُرجح أن تنتقل المنافسة تدريجياً من التركيز على الأسعار إلى مؤشرات الأداء، مثل سرعة تسليم الأمتعة، وتقليل حالات التلف والفقد، وتسريع تجهيز الطائرات، ورفع كفاءة استخدام المعدات والموظفين، إلى جانب الاعتماد المتزايد على الأتمتة والذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات في إدارة العمليات الأرضية.
ويأتي ذلك في وقت تعمل فيه الجهات التنظيمية على تعزيز المنافسة ورفع كفاءة سوق المناولة الأرضية، بما يسمح بدخول مقدمي خدمات مؤهلين، مع مراعاة الطاقة الاستيعابية والبنية التحتية لكل مطار.
ويرى مراقبون أن صفقة طيران ناس مع «سويسبورت» قد تشكل نموذجاً جديداً في السوق السعودية، خصوصاً أن شركة الطيران لم تكتفِ بتغيير مقدم الخدمة، بل أصبحت شريكاً في الشركة الجديدة، ما يمنحها مصلحة مباشرة في تطوير أداء عمليات المناولة وتحسين الكفاءة التشغيلية.
وبذلك، فإن انتقال طيران ناس من «SGS» إلى «سويسبورت» لا يمثل مجرد تبديل لمقدم خدمة، بل يعكس مرحلة أكثر نضجاً في سوق الخدمات الأرضية السعودية، عنوانها الرئيسي المنافسة على الجودة والكفاءة والتقنية والاستثمار، في سوق مرشح لأن يصبح أحد أكثر أسواق المناولة الأرضية نمواً في المنطقة خلال السنوات المقبلة



