«إحسان».. من منصة تجمع الخير إلى مؤسسة تصنع الأثر

كاتب. مصطفى محمد القرشي
ليست كل المنصات التي تبدأ بفكرة طموحة تنتهي إلى صناعة نموذج وطني متكامل، وليست كل تجربة في العمل الخيري تستطيع أن تنتقل من جمع التبرعات إلى صناعة الأثر، ومن خدمة المستفيد إلى تمكين القطاع بأكمله.
لكن «إحسان» فعلتها.
منذ أن بدأت المنصة الوطنية للعمل الخيري «إحسان» رحلتها في عام 2021م، بدعم وتمكين وطني، وتكليف الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» بإنشائها، كانت الفكرة تتجاوز مجرد إنشاء منصة رقمية لاستقبال التبرعات؛ لتؤسس نموذجًا جديدًا للعمل الخيري الرقمي، يقوم على توظيف التقنية والبيانات، وترسيخ الحوكمة والشفافية، وربط المحسن بالفرصة، والفرصة بالمشروع، والمشروع بالمستفيد.
كانت البداية نافذة أمل حقيقية؛ وجد فيها المحسنون وأصحاب المال والأعمال مكانًا موثوقًا يضعون فيه عطاءهم، ووجدت فيها الجمعيات الأهلية قناة منظمة للوصول إلى فرص التمويل، بينما وجد المستفيدون منظومة تسعى إلى إيصال الدعم إليهم بكفاءة تحفظ كرامتهم وتعظم أثر العطاء.
من التبرع إلى صناعة الأثر
القيمة الحقيقية لأي منظومة خيرية لا تكمن فقط في مقدار ما تجمعه، وإنما في القيمة المضافة التي تُحدثها.
ومن هذه الزاوية، انتقلت «إحسان» بالعمل الخيري من سؤال: كم جمعنا؟إلى السؤال التنموي الأهم: ماذا صنع هذا العطاء؟
فالتبرع الذي يصل إلى مشروع صحي قد يعيد للمريض عافيته، والذي يصل إلى مسكن قد يمنح أسرة الاستقرار، والذي يذهب إلى التعليم قد يفتح أمام طالب طريقًا جديدًا في الحياة، والذي يدعم التمكين قد يساعد مستفيدًا على الانتقال من الاحتياج إلى الإنتاج.
وهنا يتحول المال الخيري من إنفاق آني إلى أثر قابل للامتداد.
وقد استقبلت «إحسان» خلال أكثر من خمس سنوات أكثر من 440 مليون عملية تبرع، بلغت قيمتها الإجمالية 17 مليار ريال، وفق البيان الرسمي الصادر بمناسبة التحول المؤسسي. وهذه الأرقام لا تعكس حجم التدفقات المالية فحسب، بل تعكس مستوى الثقة المجتمعية في منظومة وطنية جعلت العطاء أكثر سهولة وتنظيمًا، وربطت المحسن بفرص الخير في مجالات متعددة.
حين تصبح التقنية خادمة للإنسان
أحد أهم أوجه التميز في تجربة «إحسان» أنها وضعت التقنية في خدمة غاية إنسانية نبيلة.
فالتقنية هنا ليست هدفًا بذاتها، وإنما وسيلة لتسهيل التبرع، وتنظيم الفرص، وتحسين تجربة المحسن، ودعم الجهات غير الربحية، وتعزيز الحوكمة والشفافية، بما يساعد على تعظيم أثر الموارد الموجهة للعمل الخيري.
وهذه هي القيمة الحقيقية للتحول الرقمي في العمل الخيري: أن تجعل التقنية الإنسان أقرب إلى أخيه الإنسان.
فكلما أصبحت رحلة التبرع أكثر وضوحًا وسهولة وموثوقية، ازدادت قدرة المجتمع على المشاركة في الخير، وأصبحت الموارد الخيرية أكثر قدرة على الوصول إلى البرامج والمشروعات التي تحتاج إليها المجتمعات والمستفيدون.
الجمعيات.. من الرعاية إلى التمكين والاستدامة
يمتد أثر «إحسان» إلى الجمعيات والمؤسسات الأهلية التي تمثل عمادًا أساسيًا في القطاع الثالث.
فحين تحصل الجمعية على فرص تمويل منظمة لمشروعات واضحة الأهداف، تصبح أكثر قدرة على التخطيط والتنفيذ والتوسع، وتنتقل تدريجيًا من التعامل مع الاحتياج بوصفه حالة آنية إلى بناء برامج تنموية تعالج الاحتياج وتبحث عن أسبابه وسبل الحد منه.
وهنا تظهر إحدى أهم ثمار التجربة: المساهمة في الانتقال من العمل الرعوي إلى العمل التنموي.
فالرعاية تسد الحاجة، أما التنمية فتعمل على بناء القدرة.
والدعم العاجل يحمي الإنسان من أزمة، أما التمكين فيفتح أمامه فرصة جديدة.
ومن هنا لا يصبح تمويل الجمعية مجرد دعم لنشاط خيري، بل استثمارًا في قدرتها على الاستمرار، وتطوير خدماتها، ورفع كفاءتها، وتعظيم أثرها في المجتمع.
«إحسان» والقطاع الثالث.. من التمويل إلى التمكين
وهنا تبرز العلاقة المباشرة بين تجربة «إحسان» ومستهدفات رؤية السعودية 2030.
فالرؤية تنظر إلى القطاع غير الربحي باعتباره شريكًا أساسيًا في التنمية الوطنية، وتستهدف رفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى 5% بحلول عام 2030.
ولا يمكن تحقيق هذا الطموح من خلال زيادة عدد المنظمات غير الربحية وحدها، بل يتطلب بناء قطاع أكثر كفاءة واستدامة، قادر على تنمية موارده، وتطوير خدماته، وقياس أثره، وتوسيع نطاق مشاركته في الاقتصاد والمجتمع.
ومن هنا تأتي أهمية «إحسان».
فتمكين الجمعيات من الوصول إلى موارد التبرعات، وتسهيل وصول المحسنين إلى المشاريع، وتعزيز الحوكمة والشفافية، كلها عوامل تساعد على رفع قدرة القطاع الثالث على العمل والنمو والاستدامة.
ولا يعني ذلك أن ارتفاع مساهمة القطاع غير الربحي في الناتج المحلي يُنسب إلى «إحسان» وحدها؛ فهذا التحول ثمرة منظومة وطنية متكاملة تشارك فيها الجهات الحكومية والخاصة وغير الربحية. لكن «إحسان» أصبحت إحدى الأدوات الوطنية المهمة في تمكين هذا القطاع وتعظيم قدرته على صناعة الأثر.
فكل جمعية تصبح أكثر استدامة، وكل مشروع تنموي يجد تمويله، وكل مستفيد ينتقل من الاحتياج إلى التمكين، يمثل إضافة إلى القوة الاجتماعية والاقتصادية للقطاع الثالث.
من منصة إلى مؤسسة.. مرحلة جديدة من النضج
في 20 أغسطس 2026م، صدر أمر ملكي كريم بتحويل المنصة الوطنية للعمل الخيري «إحسان» إلى مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح باسم «مؤسسة إحسان للعمل الخيري».
وليس هذا التحول مجرد تغيير في المسمى أو الصفة النظامية؛ بل هو مرحلة جديدة من النضج المؤسسي.
فالمنصة استطاعت خلال سنواتها الماضية بناء الثقة، وتوسيع قاعدة المتبرعين، وتطوير نموذج العمل الخيري الرقمي، وتمكين الجهات غير الربحية، وتعظيم أثر التبرعات.
أما المؤسسة، فتدخل المرحلة المقبلة بصلاحيات أوسع ومرونة أكبر، وقدرة أعلى على تحفيز الابتكار وتطوير خدمات «إحسان»، ودعم البرامج والخدمات والمنصات غير الربحية المعنية بالتبرعات، وتوحيد الجهود التقنية والفنية للعمل الخيري والتنموي.
كما يمنحها هذا التحول قدرة أكبر على تعزيز الاستدامة والحوكمة، ومواكبة المتغيرات، والإسهام بالتنسيق مع الجهات الحكومية والخاصة في رفع كفاءة القطاع غير الربحي، وتعزيز ثقافة العمل الإنساني والتطوع والتبرع والمسؤولية الاجتماعية.
وهذا بالضبط ما يجعل التحول امتدادًا طبيعيًا لمسيرة «إحسان» وليس بداية جديدة لها.
جودة الحياة.. الوجه الآخر للعطاء
إن أعظم ما يمكن أن تقاس به تجربة «إحسان» ليس حجم الأموال التي مرت عبر المنصة فقط، وإنما حجم التغيير الذي أحدثته في حياة الناس.
فجودة الحياة ليست مباني وطرقًا وخدمات فقط؛ إنها أيضًا مريض يجد العلاج، وأسرة تجد السكن، وطالب يجد فرصة للتعليم، وشاب يجد فرصة للتمكين، ومحتاج يجد من يقف معه ويحفظ كرامته.
وعندما يتحول التبرع إلى خدمة، والخدمة إلى تمكين، والتمكين إلى استقرار وإنتاج، فإن العطاء يصبح أحد مكونات جودة الحياة.
وهنا يلتقي العمل الخيري مع أهداف التنمية الوطنية؛ لأن الإنسان هو المستفيد النهائي من كل منظومة تنموية ناجحة.
من إحسان المحسن.. إلى إحسان الوطن
لقد بدأت «إحسان» بفكرة طموحة: أن تجمع الخير في منصة واحدة.
ثم نضجت التجربة لتصبح منظومة وطنية موثوقة للعمل الخيري الرقمي، تقوم على الحوكمة والشفافية، وتربط المحسن بالمشروع، والجمعية بالممول، والمستفيد بالأثر.
واليوم تنتقل إلى مرحلة جديدة بوصفها مؤسسة مستقلة غير هادفة للربح.
ولذلك فإن السؤال عن مستقبل «إحسان» لا ينبغي أن يكون فقط: كم ستجمع في السنوات المقبلة؟
بل الأهم:
كم إنسانًا ستمكّن؟ وكم جمعية ستصبح أكثر استدامة؟ وكم مشروعًا سيتحول من فكرة إلى أثر؟ وكم قيمة اجتماعية واقتصادية ستضيفها إلى الوطن؟
فحين تتحول التبرعات إلى مشروعات، والمشروعات إلى تمكين، والتمكين إلى إنتاج، والإنتاج إلى قيمة مضافة، فإننا لا نتحدث عن عمل خيري بالمعنى التقليدي فقط؛ بل نتحدث عن قوة تنموية تسهم في بناء مجتمع أكثر تكافلًا، وقطاع غير ربحي أكثر كفاءة، واقتصاد أكثر شمولًا.
وهكذا تصبح «إحسان» أكثر من منصة، وأكثر من قناة للتبرع.
تصبح شريانًا يغذي القطاع الثالث، وجسرًا يصل المحسن بالمستفيد، وأداة لتحويل العطاء إلى أثر، والأثر إلى تنمية، والتنمية إلى جودة حياة.
وإذا كانت رؤية السعودية 2030 قد فتحت للقطاع غير الربحي طريقًا واسعًا نحو المستقبل، فإن «إحسان» تقدم نموذجًا وطنيًا يؤكد أن الخير حين تدعمه التقنية، وتحكمه الحوكمة، وترسخه الثقة، ويُقاس أثره، يستطيع أن يتحول من قيمة إنسانية نبيلة إلى قوة تنموية مستدامة.
وهذا هو الفصل الجديد في قصة «إحسان»:
من منصة تجمع الخير.. إلى مؤسسة تصنع الأثر.. إلى شريك وطني في بناء مستقبل القطاع غير الربحي.


